عِنْدَمَا وَصَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ سَنَةَ ٧١١ لِلْمِيلَادِ، وَجَدُوا أَرْضًا خَصْبَةً، لٰكِنَّ صَيْفَهَا طَوِيلٌ وَجَافٌّ.
وَقَدْ جَاءَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِنْ بِلَادٍ حَارَّةٍ كَالشَّامِ وَالْمَغْرِبِ، فَكَانُوا يَعْرِفُونَ قِيمَةَ كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ.
لِذٰلِكَ اهْتَمُّوا بِالرَّيِّ، فَحَفَرُوا قَنَوَاتٍ تَحْمِلُ الْمَاءَ مِنَ الْأَنْهَارِ وَالْجِبَالِ إِلَى الْحُقُولِ وَالْبَسَاتِينِ.
وَاسْتَعْمَلُوا النَّاعُورَةَ، وَهِيَ عَجَلَةٌ كَبِيرَةٌ تَدُورُ فِي النَّهْرِ وَتَرْفَعُ الْمَاءَ إِلَى الْأَعْلَى.
وَقَدْ أَخَذَتِ اللُّغَةُ الْإِسْبَانِيَّةُ كَلِمَةَ «النَّاعُورَةِ» وَكَلِمَةَ «السَّاقِيَةِ»، وَمَا زَالَتْ تَسْتَعْمِلُهُمَا إِلَى الْيَوْمِ.
وَنَشَرَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْأَنْدَلُسِ نَبَاتَاتٍ كَانَتْ نَادِرَةً فِيهَا أَوْ غَيْرَ مَعْرُوفَةٍ، مِثْلَ الْبُرْتُقَالِ الْمُرِّ وَاللَّيْمُونِ وَالْأَرُزِّ وَقَصَبِ السُّكَّرِ.
وَيُرْوَى أَنَّ الْأَمِيرَ عَبْدَ الرَّحْمٰنِ الدَّاخِلَ زَرَعَ نَخْلَةً فِي قَصْرِهِ قُرْبَ قُرْطُبَةَ، لِأَنَّهَا ذَكَّرَتْهُ بِوَطَنِهِ الشَّامِ.
وَكَتَبَ عُلَمَاءُ أَنْدَلُسِيُّونَ كُتُبًا فِي الزِّرَاعَةِ، مِنْ أَشْهَرِهَا «كِتَابُ الْفِلَاحَةِ» لِابْنِ الْعَوَّامِ الْإِشْبِيلِيِّ، الَّذِي وَصَفَ فِيهِ مِئَاتِ النَّبَاتَاتِ.
أَمَّا الْحَدِيقَةُ الْأَنْدَلُسِيَّةُ فَكَانَتْ مَكَانًا لِلرَّاحَةِ وَالتَّأَمُّلِ، لَا لِلزِّرَاعَةِ فَقَطْ.
وَكَانَتْ تُقْسَمُ غَالِبًا إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، تَفْصِلُ بَيْنَهَا مَمَرَّاتٌ وَقَنَوَاتُ مَاءٍ.
وَكَانَتْ فِي وَسَطِهَا نَافُورَةٌ أَوْ بِرْكَةٌ يَلْمَعُ فِيهَا الْمَاءُ، وَحَوْلَهَا أَشْجَارُ الْبُرْتُقَالِ وَالْوُرُودُ وَالْيَاسَمِينُ.
وَكَانَ صَوْتُ الْمَاءِ وَرَائِحَةُ الزُّهُورِ يَجْعَلَانِ الزَّائِرَ يَنْسَى حَرَّ الصَّيْفِ.
وَمِنْ أَشْهَرِ الْحَدَائِقِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الْيَوْمِ حَدَائِقُ «جَنَّةِ الْعَرِيفِ» فِي غَرْنَاطَةَ، قُرْبَ قَصْرِ الْحَمْرَاءِ.
وَيَزُورُهَا الْيَوْمَ مَلَايِينُ السُّيَّاحِ، فَيَسْمَعُونَ خَرِيرَ الْمَاءِ كَمَا كَانَ يَسْمَعُهُ أَهْلُهَا قَبْلَ سَبْعَةِ قُرُونٍ.