كَانَ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ شَاعِرًا عَرَبِيًّا عَاشَ فِي شَمَالِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فِي الْقَرْنِ السَّادِسِ الْمِيلَادِيِّ.
وَكَانَ مِنْ قَبِيلَةِ طَيِّئٍ، وَقَدِ اشْتَهَرَ بِكَرَمِهِ حَتَّى صَارَ اسْمُهُ مَثَلًا يَضْرِبُهُ النَّاسُ فِي الْجُودِ إِلَى الْيَوْمِ.
وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَشْعَلَ نَارًا عَلَى مَكَانٍ عَالٍ، لِيَرَاهَا الْمُسَافِرُونَ فَيَأْتُوا إِلَيْهِ ضُيُوفًا.
وَمِنْ أَشْهَرِ مَا يُرْوَى عَنْهُ قِصَّةٌ حَدَثَتْ فِي سَنَةٍ قَلَّ فِيهَا الْمَطَرُ، فَجَاعَ النَّاسُ وَمَاتَتْ مَوَاشِيهِمْ.
فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي، كَانَ حَاتِمٌ وَزَوْجَتُهُ وَأَطْفَالُهُمَا جَائِعِينَ، لَا يَجِدُونَ مَا يَأْكُلُونَهُ.
وَبَكَى الْأَطْفَالُ مِنَ الْجُوعِ، فَلَمْ تَدْرِ أُمُّهُمْ مَاذَا تَفْعَلُ.
فَأَخَذَ حَاتِمٌ يُحَدِّثُ أَطْفَالَهُ وَيُسَلِّيهِمْ حَتَّى نَامُوا.
وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ طَرَقَتِ الْبَابَ جَارَةٌ فَقِيرَةٌ، وَقَالَتْ: «يَا أَبَا عَدِيٍّ، أَتَيْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَطْفَالٍ يَبْكُونَ مِنَ الْجُوعِ.»
فَقَالَ لَهَا حَاتِمٌ: «أَحْضِرِي أَطْفَالَكِ، فَقَدْ أَطْعَمَكُمُ اللَّهُ.»
ثُمَّ قَامَ إِلَى فَرَسِهِ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ، فَذَبَحَهُ، وَأَشْعَلَ النَّارَ، وَطَبَخَ لَحْمَهُ.
وَأَيْقَظَ أَطْفَالَهُ، وَدَارَ عَلَى بُيُوتِ الْجِيرَانِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الطَّعَامِ.
فَأَكَلَ الْجَمِيعُ حَتَّى شَبِعُوا، أَمَّا حَاتِمٌ فَجَلَسَ بَعِيدًا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَذُقْ لُقْمَةً وَاحِدَةً.
وَفِي الصَّبَاحِ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْفَرَسِ إِلَّا الْعِظَامُ.
وَبَعْدَ مَوْتِهِ بِسَنَوَاتٍ، أَسْلَمَ ابْنُهُ عَدِيٌّ وَصَارَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَبَقِيَتْ قِصَصُ كَرَمِ أَبِيهِ تُرْوَى جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.