فِي سَنَةِ 762 لِلْمِيلَادِ أَسَّسَ الْخَلِيفَةُ الْعَبَّاسِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ مَدِينَةَ بَغْدَادَ عَلَى نَهْرِ دِجْلَةَ، وَجَعَلَهَا عَاصِمَةً لِدَوْلَتِهِ.
وَسُرْعَانَ مَا صَارَتْ بَغْدَادُ مِنْ أَكْبَرِ مُدُنِ الْعَالَمِ وَأَغْنَاهَا، يَقْصِدُهَا التُّجَّارُ وَالْعُلَمَاءُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ.
وَفِي عَهْدِ الْخَلِيفَةِ هَارُونَ الرَّشِيدِ جُمِعَتْ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ فِي مَكْتَبَةٍ كَبِيرَةٍ، عُرِفَتْ بِاسْمِ «بَيْتِ الْحِكْمَةِ».
ثُمَّ ازْدَهَرَ بَيْتُ الْحِكْمَةِ فِي عَهْدِ ابْنِهِ الْمَأْمُونِ، الَّذِي كَانَ يُحِبُّ الْعِلْمَ وَيُجَالِسُ الْعُلَمَاءَ.
وَتَذْكُرُ الْمَصَادِرُ أَنَّ بَيْتَ الْحِكْمَةِ لَمْ يَكُنْ مَكْتَبَةً فَقَطْ، بَلْ كَانَ مَكَانًا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمُتَرْجِمُونَ وَالْعُلَمَاءُ لِيَقْرَؤُوا وَيَكْتُبُوا وَيَتَنَاقَشُوا.
وَكَانَ أَهَمُّ عَمَلٍ فِيهِ التَّرْجَمَةَ، فَقَدْ نُقِلَتْ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ كُتُبٌ مِنَ الْيُونَانِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ وَلُغَاتِ الْهِنْدِ.
وَكَانَتْ هٰذِهِ الْكُتُبُ فِي الطِّبِّ وَالْفَلْسَفَةِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ وَعِلْمِ الْفَلَكِ.
وَمِنْ أَشْهَرِ الْمُتَرْجِمِينَ حُنَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ، الَّذِي تَرْجَمَ كَثِيرًا مِنْ كُتُبِ الطَّبِيبِ الْيُونَانِيِّ جَالِينُوسَ.
وَلَمْ يَكْتَفِ الْعُلَمَاءُ بِالتَّرْجَمَةِ، بَلْ أَضَافُوا إِلَى هٰذِهِ الْعُلُومِ أَفْكَارًا جَدِيدَةً.
فَالْخُوَارِزْمِيُّ مَثَلًا كَتَبَ فِي بَغْدَادَ كِتَابًا فِي الْجَبْرِ، وَمِنْ عُنْوَانِ هٰذَا الْكِتَابِ جَاءَ اسْمُ هٰذَا الْعِلْمِ فِي لُغَاتٍ كَثِيرَةٍ.
وَكَانَ الْوَرَقُ قَدِ انْتَشَرَ فِي بَغْدَادَ فِي ذٰلِكَ الْعَصْرِ، فَصَارَ نَسْخُ الْكُتُبِ أَسْهَلَ وَأَرْخَصَ مِنْ قَبْلُ.
وَبَقِيَتْ بَغْدَادُ مَرْكَزًا لِلْعِلْمِ زَمَنًا طَوِيلًا، حَتَّى دَخَلَهَا الْمَغُولُ سَنَةَ 1258 وَدَمَّرُوهَا.
وَيُقَالُ إِنَّهُمْ أَلْقَوْا كُتُبًا كَثِيرَةً فِي نَهْرِ دِجْلَةَ، حَتَّى صَارَ لَوْنُ الْمَاءِ أَسْوَدَ مِنَ الْحِبْرِ.
لٰكِنَّ الْعِلْمَ الَّذِي جُمِعَ فِي بَيْتِ الْحِكْمَةِ لَمْ يَضِعْ، فَقَدِ انْتَقَلَ إِلَى مُدُنٍ أُخْرَى، ثُمَّ إِلَى أُورُوبَّا.