قَبْلَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، كَانَ الْإِنْتَرْنِتُ شَيْئًا جَدِيدًا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ.
أَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَصْبَحَ جُزْءًا مِنْ حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ، لَا نَكَادُ نَسْتَغْنِي عَنْهُ.
فَنَحْنُ نَسْتَعْمِلُهُ لِنَقْرَأَ الْأَخْبَارَ، وَنَدْفَعَ الْفَوَاتِيرَ، وَنَشْتَرِيَ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ نَخْرُجَ مِنَ الْبَيْتِ.
وَلِلْإِنْتَرْنِتِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ لَا يُنْكِرُهَا أَحَدٌ.
فَالطَّالِبُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَعَلَّمَ لُغَةً جَدِيدَةً، أَوْ يَحْضُرَ دَرْسًا فِي جَامِعَةٍ بَعِيدَةٍ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي غُرْفَتِهِ.
وَالْأُمُّ الَّتِي يَعِيشُ ابْنُهَا فِي بَلَدٍ آخَرَ تَرَاهُ وَتُكَلِّمُهُ كُلَّ مَسَاءٍ، كَأَنَّهُ جَالِسٌ مَعَهَا.
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ صَارُوا يَعْمَلُونَ مِنْ بُيُوتِهِمْ، فَيُوَفِّرُونَ الْوَقْتَ الَّذِي كَانُوا يَقْضُونَهُ فِي الطُّرُقِ.
وَلٰكِنَّ لِهٰذِهِ الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ مَشَاكِلَ أَيْضًا.
فَبَعْضُنَا يَقْضِي سَاعَاتٍ طَوِيلَةً أَمَامَ الشَّاشَةِ، يَنْتَقِلُ مِنْ مَقْطَعٍ إِلَى آخَرَ، ثُمَّ لَا يَذْكُرُ شَيْئًا مِمَّا رَآهُ.
وَقَدْ نَجْلِسُ مَعَ أُسْرَتِنَا فِي غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَنْظُرُ إِلَى هَاتِفِهِ وَلَا يَتَكَلَّمُ مَعَ الْآخَرِينَ.
وَلَيْسَ كُلُّ مَا نَقْرَؤُهُ عَلَى الْإِنْتَرْنِتِ صَحِيحًا، فَالْأَخْبَارُ الْكَاذِبَةُ تَنْتَشِرُ بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ.
وَيَجِبُ أَنْ نَحْذَرَ أَيْضًا حِينَ نَنْشُرُ صُوَرَنَا وَمَعْلُومَاتِنَا الشَّخْصِيَّةَ.
فِي رَأْيِي، لَيْسَتِ الْمُشْكِلَةُ فِي الْإِنْتَرْنِتِ نَفْسِهِ، بَلْ فِي طَرِيقَةِ اسْتِعْمَالِنَا لَهُ.
فَإِذَا جَعَلْنَاهُ خَادِمًا لَنَا، لَا سَيِّدًا عَلَيْنَا، كَانَ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ هٰذَا الْعَصْرِ.
وَلِذٰلِكَ أُغْلِقُ هَاتِفِي سَاعَةً كُلَّ مَسَاءٍ، وَأَقْرَأُ كِتَابًا أَوْ أَتَحَدَّثُ مَعَ عَائِلَتِي.