يُحْكَى أَنَّ تَاجِرًا غَنِيًّا كَانَ يَعِيشُ فِي مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ، وَكَانَ يُحِبُّ بَبَّغَاءَهُ الْأَخْضَرَ حُبًّا شَدِيدًا.
وَكَانَ الْبَبَّغَاءُ يَعِيشُ فِي قَفَصٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَيَتَكَلَّمُ مَعَ الضُّيُوفِ فَيُضْحِكُهُمْ.
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ قَرَّرَ التَّاجِرُ أَنْ يُسَافِرَ إِلَى الْهِنْدِ لِلتِّجَارَةِ، فَسَأَلَ أَهْلَ بَيْتِهِ عَنِ الْهَدَايَا الَّتِي يُرِيدُونَهَا.
ثُمَّ سَأَلَ الْبَبَّغَاءَ: «وَأَنْتَ، مَاذَا تُرِيدُ مِنَ الْهِنْدِ؟»
قَالَ الْبَبَّغَاءُ: «لَا أُرِيدُ هَدِيَّةً، وَلٰكِنْ إِذَا رَأَيْتَ الْبَبَّغَاوَاتِ فِي غَابَاتِ الْهِنْدِ، فَسَلِّمْ عَلَيْهَا مِنِّي، وَأَخْبِرْهَا أَنِّي أَعِيشُ فِي قَفَصٍ بَعِيدًا عَنْهَا».
وَصَلَ التَّاجِرُ إِلَى الْهِنْدِ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَمْشِي فِي غَابَةٍ رَأَى بَبَّغَاوَاتٍ كَثِيرَةً عَلَى شَجَرَةٍ عَالِيَةٍ.
فَتَذَكَّرَ رِسَالَةَ بَبَّغَائِهِ، وَنَقَلَهَا إِلَيْهَا كَمَا هِيَ.
وَمَا إِنْ أَنْهَى كَلَامَهُ حَتَّى ارْتَجَفَ أَحَدُ الطُّيُورِ، وَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ لَا يَتَحَرَّكُ.
فَحَزِنَ التَّاجِرُ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: «لَقَدْ قَتَلْتُ هٰذَا الْمِسْكِينَ بِكَلَامِي!»
وَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، سَأَلَهُ الْبَبَّغَاءُ: «هَلْ بَلَّغْتَ سَلَامِي إِلَى إِخْوَتِي؟»
فَحَكَى لَهُ التَّاجِرُ مَا حَدَثَ وَهُوَ حَزِينٌ.
وَمَا كَادَ يَنْتَهِي مِنْ قِصَّتِهِ حَتَّى ارْتَجَفَ الْبَبَّغَاءُ هُوَ أَيْضًا، وَسَقَطَ فِي قَاعِ الْقَفَصِ بِلَا حَرَكَةٍ.
فَبَكَى التَّاجِرُ، وَفَتَحَ بَابَ الْقَفَصِ، وَأَخْرَجَ الطَّائِرَ، وَوَضَعَهُ عَلَى حَافَّةِ النَّافِذَةِ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ طَارَ الْبَبَّغَاءُ إِلَى غُصْنٍ عَالٍ، وَقَالَ: «شُكْرًا لَكَ يَا صَاحِبِي!»
ثُمَّ أَضَافَ: «لَمْ يَمُتْ أَخِي فِي الْهِنْدِ، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيَّ مَعَكَ جَوَابًا: مَنْ أَرَادَ الْحُرِّيَّةَ فَلْيَتَظَاهَرْ بِالْمَوْتِ!»
ثُمَّ طَارَ بَعِيدًا، وَبَقِيَ التَّاجِرُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَدْ فَهِمَ أَنَّ الْقَفَصَ يَبْقَى سِجْنًا، وَلَوْ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ.