مَا زِلْتُ أَذْكُرُ أَوَّلَ عَمَلٍ عَمِلْتُ فِيهِ، مَعَ أَنَّهُ مَضَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً.
كُنْتُ فِي الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِي، وَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَ دَرَّاجَةً دُونَ أَنْ أَطْلُبَ الْمَالَ مِنْ أَبِي.
فَوَجَدْتُ عَمَلًا فِي الصَّيْفِ فِي مَحَلٍّ صَغِيرٍ لِلْعَصِيرِ فِي حَيِّنَا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، يَمْلِكُهُ رَجُلٌ طَيِّبٌ يُسَمِّيهِ الْجَمِيعُ «الْعَمَّ عَبَّاسًا».
كَانَ عَمَلِي أَنْ أَغْسِلَ الْفَوَاكِهَ وَالْأَكْوَابَ، وَأَنْ أُقَدِّمَ الْعَصِيرَ لِلزَّبَائِنِ.
وَفِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ كَسَرْتُ ثَلَاثَةَ أَكْوَابٍ، وَخَلَطْتُ بَيْنَ عَصِيرِ الْمَانْجُو وَعَصِيرِ الْجَوَافَةِ، وَأَعْطَيْتُ أَحَدَ الزَّبَائِنِ نُقُودًا أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّ.
وَفِي آخِرِ النَّهَارِ كُنْتُ مُتَأَكِّدًا أَنَّ الْعَمَّ عَبَّاسًا سَيَطْلُبُ مِنِّي أَلَّا أَعُودَ.
لٰكِنَّهُ جَلَسَ مَعِي، وَصَبَّ لِي كُوبًا مِنْ عَصِيرِ الْبُرْتُقَالِ، وَقَالَ: «كُلُّنَا أَخْطَأْنَا فِي يَوْمِنَا الْأَوَّلِ، وَالْمُهِمُّ أَلَّا تُكَرِّرَ الْخَطَأَ نَفْسَهُ.»
فِي الْأَيَّامِ التَّالِيَةِ صِرْتُ أَصِلُ قَبْلَ الْمَوْعِدِ، وَأُرَاقِبُهُ وَهُوَ يَعْمَلُ.
تَعَلَّمْتُ مِنْهُ أَنْ أَحْفَظَ طَلَبَاتِ الزَّبَائِنِ الدَّائِمِينَ، وَأَنْ أَبْتَسِمَ حَتَّى عِنْدَمَا أَكُونُ مُتْعَبًا.
وَتَعَلَّمْتُ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ، مَهْمَا كَانَ صَغِيرًا، يَسْتَحِقُّ أَنْ يُتْقَنَ.
وَفِي نِهَايَةِ الشَّهْرِ الثَّانِي، وَضَعَ الْعَمُّ عَبَّاسٌ فِي يَدِي أَوَّلَ أَجْرٍ كَسَبْتُهُ بِتَعَبِي.
لَمْ أَشْتَرِ الدَّرَّاجَةَ فِي ذٰلِكَ الْيَوْمِ، بَلِ اشْتَرَيْتُ لِأُمِّي هَدِيَّةً صَغِيرَةً، وَادَّخَرْتُ الْبَاقِيَ.
وَالْيَوْمَ أَعْمَلُ مُهَنْدِسًا فِي شَرِكَةٍ كَبِيرَةٍ، لٰكِنَّنِي كُلَّمَا مَرَرْتُ بِمَحَلِّ عَصِيرٍ تَذَكَّرْتُ الْعَمَّ عَبَّاسًا، وَالدَّرْسَ الَّذِي عَلَّمَنِي إِيَّاهُ.