يَظُنُّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ الْمَطَرَ لَا يَنْزِلُ فِي الصَّحْرَاءِ أَبَدًا، لٰكِنَّ هٰذَا غَيْرُ صَحِيحٍ.
فَالصَّحْرَاءُ، كَمَا يُعَرِّفُهَا الْعُلَمَاءُ، أَرْضٌ يَنْزِلُ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ مِئَتَيْنِ وَخَمْسِينَ مِلِّيمِتْرًا مِنَ الْمَطَرِ فِي السَّنَةِ.
وَقَدْ تَمُرُّ فِي بَعْضِ الصَّحَارِي سَنَوَاتٌ كَامِلَةٌ دُونَ أَنْ تَسْقُطَ قَطْرَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَلٰكِنْ حِينَ يَأْتِي الْمَطَرُ، يَأْتِي فِي الْغَالِبِ قَوِيًّا وَمُفَاجِئًا.
وَلِأَنَّ الْأَرْضَ هُنَاكَ جَافَّةٌ وَصُلْبَةٌ، فَإِنَّهَا لَا تَشْرَبُ الْمَاءَ بِسُرْعَةٍ، فَيَجْرِي عَلَى سَطْحِهَا.
وَتَتَجَمَّعُ الْمِيَاهُ فِي الْأَوْدِيَةِ الْجَافَّةِ، فَتَتَحَوَّلُ فِي دَقَائِقَ إِلَى سُيُولٍ قَوِيَّةٍ تَجْرُفُ الصُّخُورَ وَالسَّيَّارَاتِ.
لِهٰذَا يَنْصَحُ أَهْلُ الْبَادِيَةِ الْمُسَافِرِينَ بِأَلَّا يَنَامُوا فِي بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَتِ السَّمَاءُ فَوْقَهُمْ صَافِيَةً.
فَقَدْ يَنْزِلُ الْمَطَرُ عَلَى جِبَالٍ بَعِيدَةٍ، ثُمَّ يَصِلُ السَّيْلُ إِلَيْهِمْ بَعْدَ سَاعَاتٍ.
وَلِلْمَطَرِ فِي الصَّحْرَاءِ وَجْهٌ آخَرُ جَمِيلٌ.
فَفِي التُّرَابِ بُذُورٌ تَنْتَظِرُ الْمَاءَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً، فَإِذَا جَاءَ الْمَطَرُ نَبَتَتْ بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ.
وَبَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ تَتَغَطَّى الرِّمَالُ بِالْعُشْبِ الْأَخْضَرِ وَالْأَزْهَارِ الْمُلَوَّنَةِ.
وَتُسْرِعُ هٰذِهِ النَّبَاتَاتُ فَتُزْهِرُ وَتُعْطِي بُذُورًا جَدِيدَةً قَبْلَ أَنْ تَعُودَ الْأَرْضُ إِلَى الْجَفَافِ.
وَتَظْهَرُ أَيْضًا الْحَشَرَاتُ وَالطُّيُورُ، وَتَجِدُ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ مَرْعًى غَنِيًّا.
وَفِي بَعْضِ الصَّحَارِي الْعَرَبِيَّةِ يَخْرُجُ النَّاسُ بَعْدَ أَمْطَارِ الْخَرِيفِ وَالشِّتَاءِ لِيَبْحَثُوا عَنِ الْكَمْأَةِ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنَ الْفُطْرِ يَنْمُو تَحْتَ الرَّمْلِ.
وَهٰكَذَا يُعِيدُ الْمَطَرُ، وَلَوْ إِلَى حِينٍ، الْحَيَاةَ إِلَى أَرْضٍ تَبْدُو مَيِّتَةً.