فِي زُقَاقٍ ضَيِّقٍ مِنْ أَزِقَّةِ حَلَبَ الْقَدِيمَةِ، كَانَ لِلْخَطَّاطِ الْعَجُوزِ أَبِي سَعِيدٍ دُكَّانٌ صَغِيرٌ تَمْلَؤُهُ رَائِحَةُ الْحِبْرِ وَالْوَرَقِ.
كَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ لِيَكْتُبَ لَهُمْ آيَاتٍ وَحِكَمًا عَلَى لَوْحَاتٍ يُعَلِّقُونَهَا فِي بُيُوتِهِمْ.
وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ جَاءَهُ وَلَدٌ فِي الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ اسْمُهُ سَلِيمٌ، وَقَالَ: «أُرِيدُ أَنْ أَتَعَلَّمَ الْخَطَّ مِثْلَكَ».
فَأَعْطَاهُ الشَّيْخُ قَلَمًا مِنَ الْقَصَبِ، وَقَالَ لَهُ: «اكْتُبْ حَرْفَ الْأَلِفِ».
كَتَبَ سَلِيمٌ أَلِفًا، فَنَظَرَ إِلَيْهَا الشَّيْخُ وَقَالَ: «مَائِلَةٌ، اكْتُبْهَا مَرَّةً أُخْرَى».
وَظَلَّ سَلِيمٌ أُسْبُوعًا كَامِلًا لَا يَكْتُبُ إِلَّا الْأَلِفَ، مِئَاتِ الْمَرَّاتِ، عَلَى أَوْرَاقٍ قَدِيمَةٍ.
ثُمَّ جَاءَتِ الْبَاءُ، ثُمَّ الْجِيمُ، وَكَانَ الشَّيْخُ يَقِيسُ كُلَّ حَرْفٍ بِالنُّقَطِ، وَيَقُولُ: «لِكُلِّ حَرْفٍ مِيزَانٌ، كَمَا لِلْإِنْسَانِ مِيزَانٌ».
وَبَعْدَ شَهْرَيْنِ فَقَدَ سَلِيمٌ صَبْرَهُ، فَقَالَ: «يَا مُعَلِّمِي، مَتَى أَكْتُبُ كَلِمَاتٍ وَجُمَلًا كَمَا تَفْعَلُ أَنْتَ؟»
فَأَخَذَ الشَّيْخُ لَوْحَةً قَدِيمَةً مِنَ الرَّفِّ، وَأَرَاهُ اسْمًا كَتَبَهُ قَبْلَ خَمْسِينَ سَنَةً، وَهُوَ تِلْمِيذٌ مِثْلُهُ.
كَانَتِ الْحُرُوفُ ضَعِيفَةً وَغَيْرَ مُتَسَاوِيَةٍ، فَضَحِكَ سَلِيمٌ وَقَالَ: «هٰذَا خَطُّكَ أَنْتَ؟»
قَالَ الشَّيْخُ: «نَعَمْ، وَقَدْ كَتَبْتُ الْأَلِفَ آلَافَ الْمَرَّاتِ، حَتَّى صَارَتْ يَدِي تَعْرِفُ طَرِيقَهَا وَحْدَهَا».
ثُمَّ أَضَافَ: «الْخَطُّ يَا بُنَيَّ صَبْرٌ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ فَنًّا».
فَرَجَعَ سَلِيمٌ إِلَى أَوْرَاقِهِ، وَلَمْ يَشْكُ بَعْدَ ذٰلِكَ أَبَدًا.
وَمَرَّتِ السَّنَوَاتُ، فَأَصْبَحَتْ يَدُ سَلِيمٍ ثَابِتَةً، وَحُرُوفُهُ جَمِيلَةً.
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ كَتَبَ لَهُ الشَّيْخُ إِجَازَةً، وَهِيَ شَهَادَةٌ يُعْطِيهَا الْخَطَّاطُ لِتِلْمِيذِهِ حِينَ يَصِيرُ أُسْتَاذًا.
وَمَا زَالَ سَلِيمٌ يَحْتَفِظُ فِي دُكَّانِهِ بِأَوَّلِ أَلِفٍ كَتَبَهَا، لِيُرِيَهَا تَلَامِيذَهُ.