كَانَ زِيَادٌ يَقْضِي عُطْلَةَ الصَّيْفِ عِنْدَ خَالِهِ رَشِيدٍ، فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ.
وَكَانَ خَالُهُ صَيَّادًا يَمْلِكُ قَارِبًا قَدِيمًا، يَخْرُجُ بِهِ إِلَى الْبَحْرِ قَبْلَ الْفَجْرِ.
وَفِي صَبَاحِ أَحَدِ الْأَيَّامِ، ذَهَبَ زِيَادٌ إِلَى الشَّاطِئِ وَحْدَهُ، بَيْنَمَا كَانَ خَالُهُ يُصْلِحُ الشِّبَاكَ فِي الْبَيْتِ.
فَرَأَى الْقَارِبَ مَرْبُوطًا بِحَبْلٍ إِلَى صَخْرَةٍ، فَصَعِدَ إِلَيْهِ لِيَجْلِسَ فِيهِ قَلِيلًا وَيَنْظُرَ إِلَى الْبَحْرِ.
وَلَمْ يَنْتَبِهْ إِلَى أَنَّ عُقْدَةَ الْحَبْلِ كَانَتْ ضَعِيفَةً.
وَبَعْدَ دَقَائِقَ هَبَّتْ رِيحٌ قَوِيَّةٌ مِنْ جِهَةِ الْبَرِّ، فَانْحَلَّتِ الْعُقْدَةُ، وَبَدَأَ الْقَارِبُ يَبْتَعِدُ عَنِ الشَّاطِئِ.
حَاوَلَ زِيَادٌ أَنْ يُجَدِّفَ بِيَدَيْهِ، لٰكِنَّ الرِّيحَ كَانَتْ أَقْوَى مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَارِبِ مِجْدَافٌ.
وَصَارَ الشَّاطِئُ يَصْغُرُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَشَعَرَ زِيَادٌ بِالْخَوْفِ، وَكَادَ يَقْفِزُ إِلَى الْمَاءِ لِيَسْبَحَ.
ثُمَّ تَذَكَّرَ مَا قَالَهُ لَهُ خَالُهُ مَرَّةً: «إِذَا وَقَعْتَ فِي مُشْكِلَةٍ فِي الْبَحْرِ فَلَا تَتْرُكِ الْقَارِبَ، وَلَا تُضَيِّعْ قُوَّتَكَ.»
فَجَلَسَ فِي وَسَطِ الْقَارِبِ، وَخَلَعَ قَمِيصَهُ الْأَحْمَرَ، وَأَخَذَ يُلَوِّحُ بِهِ عَالِيًا.
وَبَعْدَ وَقْتٍ بَدَا لَهُ طَوِيلًا جِدًّا، سَمِعَ صَوْتَ مُحَرِّكٍ يَقْتَرِبُ.
كَانَ ذٰلِكَ أَبَا مَرْوَانَ، الصَّيَّادَ الْعَجُوزَ، الَّذِي رَأَى الْقَمِيصَ الْأَحْمَرَ مِنْ بَعِيدٍ.
فَرَبَطَ الْقَارِبَ الصَّغِيرَ بِقَارِبِهِ، وَسَحَبَهُ إِلَى الشَّاطِئِ، حَيْثُ كَانَ خَالُهُ يَنْتَظِرُ وَقَدِ اصْفَرَّ وَجْهُهُ مِنَ الْقَلَقِ.
عَانَقَهُ خَالُهُ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «أَحْسَنْتَ حِينَ بَقِيتَ فِي الْقَارِبِ.»
وَفِي الْمَسَاءِ جَلَسَا مَعًا عَلَى الشَّاطِئِ، وَعَلَّمَهُ خَالُهُ كَيْفَ يَرْبِطُ عُقْدَةً لَا تَنْحَلُّ أَبَدًا.