كَانَ لِشَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ثَلَاثَةُ أَبْنَاءٍ وَسَبْعَ عَشْرَةَ نَاقَةً.
وَلَمَّا شَعَرَ بِقُرْبِ أَجَلِهِ، كَتَبَ وَصِيَّتَهُ، وَقَسَمَ فِيهَا الْإِبِلَ بَيْنَ أَبْنَائِهِ.
فَلِلِابْنِ الْأَكْبَرِ نِصْفُهَا، وَلِلْأَوْسَطِ ثُلُثُهَا، وَلِلْأَصْغَرِ تُسْعُهَا.
وَبَعْدَ وَفَاةِ الْأَبِ جَلَسَ الْإِخْوَةُ يَقْسِمُونَ الْإِبِلَ كَمَا أَوْصَى، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا.
فَنِصْفُ سَبْعَ عَشْرَةَ ثَمَانِيَةٌ وَنِصْفٌ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدٌ نِصْفَ نَاقَةٍ!
وَكَذٰلِكَ الثُّلُثُ وَالتُّسْعُ، فَهٰذَا الْعَدَدُ لَا يَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَلَا عَلَى تِسْعَةٍ.
فَاخْتَلَفَ الْإِخْوَةُ، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، وَقَالَ أَحَدُهُمْ: «لِنَبِعِ الْإِبِلَ وَنَقْسِمِ الثَّمَنَ!»
فَغَضِبَ أَخُوهُ وَقَالَ: «لَنْ أَبِيعَ إِبِلَ أَبِي أَبَدًا!»
وَبَيْنَمَا هُمْ كَذٰلِكَ، مَرَّ بِهِمْ شَيْخٌ حَكِيمٌ يَرْكَبُ نَاقَتَهُ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ خِلَافِهِمْ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْقِصَّةَ، نَزَلَ عَنْ نَاقَتِهِ وَقَالَ: «خُذُوا نَاقَتِي، وَأَضِيفُوهَا إِلَى إِبِلِكُمْ، ثُمَّ اقْسِمُوهَا كَمَا أَوْصَى أَبُوكُمْ».
فَصَارَ عَدَدُ الْإِبِلِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ نَاقَةً.
فَأَخَذَ الْأَكْبَرُ نِصْفَهَا، وَهُوَ تِسْعُ نُوقٍ، وَأَخَذَ الْأَوْسَطُ ثُلُثَهَا، وَهُوَ سِتُّ نُوقٍ، وَأَخَذَ الْأَصْغَرُ تُسْعَهَا، وَهُوَ نَاقَتَانِ.
ثُمَّ جَمَعُوا مَا أَخَذُوا، فَكَانَ سَبْعَ عَشْرَةَ نَاقَةً، وَبَقِيَتْ نَاقَةٌ وَاحِدَةٌ.
فَتَعَجَّبَ الْإِخْوَةُ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَخَذَ أَكْثَرَ قَلِيلًا مِمَّا كَانَ يَنْتَظِرُ، وَلَمْ يُظْلَمْ أَحَدٌ.
فَابْتَسَمَ الشَّيْخُ، وَرَكِبَ نَاقَتَهُ الَّتِي بَقِيَتْ، وَقَالَ: «أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ نَصِيبَهُ، وَرَجَعَتْ إِلَيَّ نَاقَتِي».
ثُمَّ مَضَى فِي طَرِيقِهِ، وَتَعَلَّمَ الْإِخْوَةُ أَنَّ الْحِكْمَةَ تَحُلُّ مَا لَا يَحُلُّهُ الْغَضَبُ.