يُحْكَى فِي كِتَابِ «كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ» أَنَّ بَطَّتَيْنِ كَانَتَا تَعِيشَانِ فِي غَدِيرٍ حَوْلَهُ عُشْبٌ كَثِيرٌ.
وَكَانَتْ فِي الْغَدِيرِ سُلَحْفَاةٌ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَطَّتَيْنِ صَدَاقَةٌ قَدِيمَةٌ.
وَفِي أَحَدِ الْأَعْوَامِ قَلَّ الْمَطَرُ، وَبَدَأَ مَاءُ الْغَدِيرِ يَجِفُّ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.
فَقَالَتِ الْبَطَّتَانِ لِلسُّلَحْفَاةِ: «يَجِبُ أَنْ نَرْحَلَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، فَلَا حَيَاةَ لَنَا بِلَا مَاءٍ.»
فَحَزِنَتِ السُّلَحْفَاةُ وَقَالَتْ: «وَأَنَا أَيْضًا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعِيشَ بِلَا مَاءٍ، وَأَنْتُمَا تَطِيرَانِ حَيْثُ شِئْتُمَا، فَخُذَانِي مَعَكُمَا!»
قَالَتِ الْبَطَّتَانِ: «سَنَحْمِلُكِ مَعَنَا، بِشَرْطِ أَلَّا تَتَكَلَّمِي أَبَدًا، مَهْمَا رَأَيْتِ أَوْ سَمِعْتِ، فَإِنَّكِ إِنْ فَتَحْتِ فَمَكِ سَقَطْتِ.»
فَوَافَقَتِ السُّلَحْفَاةُ فَرِحَةً، وَوَعَدَتْهُمَا أَنْ تَسْكُتَ طُولَ الطَّرِيقِ.
ثُمَّ أَحْضَرَتَا عُودًا، فَعَضَّتِ السُّلَحْفَاةُ عَلَى وَسَطِهِ، وَأَمْسَكَتْ كُلُّ بَطَّةٍ بِطَرَفٍ مِنْهُ، وَطَارَتَا بِهَا فِي السَّمَاءِ.
وَكَانَتِ السُّلَحْفَاةُ تَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ فَوْقُ، فَتَرَى الْحُقُولَ وَالْبُيُوتَ صَغِيرَةً كَأَنَّهَا لُعَبٌ.
وَلَمَّا مَرَّتَا بِهَا فَوْقَ قَرْيَةٍ، رَآهُنَّ النَّاسُ، فَصَاحُوا مُتَعَجِّبِينَ: «انْظُرُوا! سُلَحْفَاةٌ تَطِيرُ بَيْنَ بَطَّتَيْنِ!»
وَضَحِكَ بَعْضُهُمْ، وَأَشَارَ إِلَيْهَا الْأَطْفَالُ بِأَصَابِعِهِمْ.
فَغَضِبَتِ السُّلَحْفَاةُ، وَنَسِيَتِ الشَّرْطَ، وَأَرَادَتْ أَنْ تَرُدَّ عَلَيْهِمْ.
فَلَمَّا فَتَحَتْ فَمَهَا لِتَصِيحَ بِهِمْ، سَقَطَتْ مِنَ الْعُودِ، وَهَوَتْ إِلَى الْأَرْضِ فَمَاتَتْ.
وَهٰذَا مَثَلٌ يُضْرَبُ لِمَنْ لَا يَسْمَعُ نَصِيحَةَ أَصْدِقَائِهِ، وَلَا يَحْفَظُ لِسَانَهُ.
فَالْكَلِمَةُ الَّتِي تُقَالُ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا قَدْ تُهْلِكُ صَاحِبَهَا.