أَلَّفَ الْجَاحِظُ، الْأَدِيبُ الْبَصْرِيُّ الَّذِي عَاشَ فِي الْعَصْرِ الْعَبَّاسِيِّ، كِتَابًا طَرِيفًا سَمَّاهُ «الْبُخَلَاءَ»، جَمَعَ فِيهِ أَخْبَارَ الْبُخَلَاءِ وَحِيَلَهُمْ وَحُجَجَهُمْ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْبُخْلِ.
وَهٰذِهِ حِكَايَةٌ عَلَى طَرِيقَتِهِ، يَرْوِيهَا رَجُلٌ دُعِيَ إِلَى الْعَشَاءِ عِنْدَ تَاجِرٍ اشْتُهِرَ بِالْبُخْلِ.
قَالَ: دَعَانِي أَبُو الْفَضْلِ أَمَامَ النَّاسِ فِي السُّوقِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ دَعَانِي حَيَاءً لَا كَرَمًا، وَلٰكِنِّي قَبِلْتُ الدَّعْوَةَ.
فَلَمَّا دَخَلْتُ دَارَهُ اسْتَقْبَلَنِي بِحَرَارَةٍ، وَأَطَالَ السُّؤَالَ عَنْ صِحَّتِي وَأَهْلِي وَتِجَارَتِي، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ الْكَلَامَ هُوَ الْعَشَاءُ.
ثُمَّ جَاءَ الْخَادِمُ بِرَغِيفَيْنِ صَغِيرَيْنِ وَصَحْنٍ فِيهِ قَلِيلٌ مِنَ الْعَدَسِ، فَوَضَعَ ذٰلِكَ بَيْنَنَا كَأَنَّهُ يَضَعُ كَنْزًا.
فَلَمَّا مَدَدْتُ يَدِي إِلَى الرَّغِيفِ، تَنَهَّدَ صَاحِبِي وَقَالَ: «لَقَدْ غَلَا الْقَمْحُ هٰذَا الْعَامَ حَتَّى صَارَ الرَّغِيفُ أَغْلَى مِنَ اللَّحْمِ!»
فَأَكَلْتُ لُقْمَةً وَاحِدَةً، وَشَعَرْتُ بِأَنِّي آكُلُ مِنْ مَالِهِ لَا مِنْ خُبْزِهِ.
ثُمَّ أَخَذَ يُحَدِّثُنِي عَنِ الطِّبِّ، وَيَقُولُ إِنَّ أَكْثَرَ الْأَمْرَاضِ مِنَ التُّخَمَةِ، وَإِنَّ الْحُكَمَاءَ كَانُوا يَقُومُونَ عَنِ الطَّعَامِ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ.
وَكُلَّمَا مَدَدْتُ يَدِي إِلَى الصَّحْنِ ذَكَرَ لِي رَجُلًا مَاتَ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ، حَتَّى خِفْتُ عَلَى نَفْسِي مِنَ الْعَدَسِ.
ثُمَّ رَفَعَ الْخَادِمُ الصَّحْنَ وَفِيهِ أَكْثَرُ مَا جَاءَ بِهِ، فَتَبِعَتْهُ عَيْنَايَ إِلَى الْبَابِ كَمَا يُوَدِّعُ الْمَرْءُ صَدِيقًا عَزِيزًا.
وَلَمَّا حَلَّ الظَّلَامُ وَأَشْعَلَ الْخَادِمُ السِّرَاجَ، قَامَ صَاحِبِي إِلَيْهِ فَأَطْفَأَهُ، وَقَالَ: «إِنَّ ضَوْءَ السِّرَاجِ يُتْعِبُ الْعَيْنَ، وَالْحَدِيثُ فِي الظَّلَامِ أَلْطَفُ».
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَقَدْ وَفَّرَ الزَّيْتَ كَمَا وَفَّرَ الْخُبْزَ.
وَعِنْدَ الْبَابِ شَكَرْتُهُ، فَقَالَ: «لَقَدْ شَرَّفْتَنَا، وَلَوْ أَخْبَرْتَنَا بِمَجِيئِكَ مِنْ قَبْلُ لَاسْتَعْدَدْنَا لَكَ».
فَقُلْتُ: «وَاللَّهِ لَقَدْ أَطْعَمْتَنِي مِنَ الْكَلَامِ مَا يَكْفِينِي سَنَةً، وَمِنَ الْخُبْزِ مَا لَا يَكْفِي عُصْفُورًا».
وَهٰكَذَا كَانَ الْجَاحِظُ يَسْخَرُ مِنَ الْبُخْلِ دُونَ أَنْ يَعِظَ الْبَخِيلَ، فَيَتْرُكُ الْقَارِئَ يَضْحَكُ وَيَتَعَلَّمُ فِي آنٍ وَاحِدٍ.