إِذَا حَلَّ تِلْمِيذٌ الْيَوْمَ مُعَادَلَةً فِي دَرْسِ الرِّيَاضِيَّاتِ، فَهُوَ يَسِيرُ، مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي، عَلَى طَرِيقٍ رَسَمَهُ عَالِمٌ عَاشَ فِي بَغْدَادَ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَمِئَتَيْ سَنَةٍ.
ذٰلِكَ الْعَالِمُ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْخُوَارِزْمِيُّ، الَّذِي يُعَدُّ مُؤَسِّسَ عِلْمِ الْجَبْرِ.
وَتَعُودُ نِسْبَتُهُ إِلَى خُوَارِزْمَ، وَهِيَ إِقْلِيمٌ قَدِيمٌ فِي آسِيَا الْوُسْطَى يَقَعُ الْيَوْمَ فِي أُوزْبَكِسْتَانَ وَتُرْكُمَانِسْتَانَ.
عَاشَ فِي بَغْدَادَ فِي عَهْدِ الْخَلِيفَةِ الْمَأْمُونِ، وَعَمِلَ فِي «بَيْتِ الْحِكْمَةِ» مَعَ نُخْبَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَرْجِمِينَ.
وَهُنَاكَ أَلَّفَ كِتَابًا عُنْوَانُهُ «الْمُخْتَصَرُ فِي حِسَابِ الْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ»، فَكَانَ أَوَّلَ كِتَابٍ يُفْرِدُ لِهٰذَا الْعِلْمِ بَحْثًا مُسْتَقِلًّا.
وَالْجَبْرُ فِي اللُّغَةِ إِصْلَاحُ الْمَكْسُورِ، أَمَّا عِنْدَ الْخُوَارِزْمِيِّ فَهُوَ نَقْلُ الْحَدِّ الْمَطْرُوحِ مِنْ جَانِبٍ مِنَ الْمُعَادَلَةِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ.
وَأَمَّا الْمُقَابَلَةُ فَهِيَ حَذْفُ الْحُدُودِ الْمُتَشَابِهَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ حَتَّى تَصِيرَ الْمُعَادَلَةُ أَبْسَطَ.
وَالطَّرِيفُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ رُمُوزًا كَالَّتِي نَعْرِفُهَا الْيَوْمَ، بَلْ كَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ بِالْكَلِمَاتِ، فَسَمَّى الْمَجْهُولَ «شَيْئًا» وَمُرَبَّعَهُ «مَالًا».
وَكَانَ يُثْبِتُ صِحَّةَ حُلُولِهِ بِالْأَشْكَالِ الْهَنْدَسِيَّةِ، فَيَرْسُمُ الْمُرَبَّعَاتِ وَالْمُسْتَطِيلَاتِ وَيُكْمِلُهَا أَمَامَ عَيْنَيِ الْقَارِئِ.
وَلَمْ يَكْتُبْ لِلْعُلَمَاءِ وَحْدَهُمْ، فَقَدْ ذَكَرَ فِي مُقَدِّمَتِهِ أَنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَى هٰذَا الْحِسَابِ فِي مَوَارِيثِهِمْ وَوَصَايَاهُمْ وَتِجَارَتِهِمْ وَمِسَاحَةِ أَرَاضِيهِمْ.
وَلَهُ كِتَابٌ آخَرُ فِي الْحِسَابِ بِالْأَرْقَامِ الْهِنْدِيَّةِ، شَرَحَ فِيهِ النِّظَامَ الْعَشْرِيَّ الْقَائِمَ عَلَى الْمَنَازِلِ، وَاسْتِعْمَالَ الصِّفْرِ.
وَلَمَّا تُرْجِمَ هٰذَانِ الْكِتَابَانِ إِلَى اللَّاتِينِيَّةِ فِي الْقَرْنِ الثَّانِيَ عَشَرَ، انْتَقَلَتْ أَفْكَارُهُ إِلَى أُورُوبَّا وَغَيَّرَتْ طَرِيقَةَ الْحِسَابِ فِيهَا.
وَمِنْ طَرَائِفِ التَّارِيخِ أَنَّ اسْمَهُ نَفْسَهُ دَخَلَ لُغَاتِ الْعَالَمِ، فَمِنْهُ اشْتُقَّ الْمُصْطَلَحُ الَّذِي يَعْنِي سِلْسِلَةً مِنَ الْخُطُوَاتِ الْمُرَتَّبَةِ لِحَلِّ مَسْأَلَةٍ، وَهُوَ مَا نُسَمِّيهِ بِالْعَرَبِيَّةِ «الْخُوَارِزْمِيَّةَ».
وَمِنْ كَلِمَةِ «الْجَبْرِ» جَاءَ اسْمُ هٰذَا الْعِلْمِ فِي اللُّغَاتِ الْأُورُوبِّيَّةِ، فَصَارَ عُنْوَانُ كِتَابٍ كُتِبَ فِي بَغْدَادَ اسْمًا لِعِلْمٍ كَامِلٍ.