كَثِيرًا مَا يَتَسَاءَلُ النَّاسُ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ لِلْعَيْشِ، الْمَدِينَةُ بِصَخَبِهَا وَفُرَصِهَا، أَمِ الْقَرْيَةُ بِهُدُوئِهَا وَبَسَاطَتِهَا؟
وَلَا شَكَّ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَزَايَا وَعُيُوبًا، وَأَنَّ الْجَوَابَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْإِنْسَانِ وَحَاجَاتِهِ.
فَالْمَدِينَةُ تَجْذِبُ الشَّبَابَ بِجَامِعَاتِهَا وَمُسْتَشْفَيَاتِهَا وَفُرَصِ الْعَمَلِ الْكَثِيرَةِ فِيهَا، وَفِيهَا يَجِدُ الْمَرْءُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عَلَى بُعْدِ خُطُوَاتٍ.
وَهِيَ أَيْضًا مُلْتَقَى الثَّقَافَاتِ، تَكْثُرُ فِيهَا الْمَسَارِحُ وَالْمَكْتَبَاتُ وَالْمَقَاهِي، وَيَلْتَقِي فِيهَا أُنَاسٌ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ.
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُغَيِّرَ حَيَاتَهُ أَوْ يَبْدَأَ مَشْرُوعًا جَدِيدًا، وَجَدَ فِيهَا مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْهِ وَيُعِينُهُ.
غَيْرَ أَنَّ لِهٰذِهِ الْحَيَاةِ ثَمَنًا: فَالزِّحَامُ يَسْرِقُ مِنَ النَّاسِ سَاعَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَالضَّجِيجُ لَا يَهْدَأُ، وَالْهَوَاءُ مُثْقَلٌ بِدُخَانِ السَّيَّارَاتِ.
وَالْأَغْرَبُ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعِيشُ سَنَوَاتٍ فِي عِمَارَةٍ وَاحِدَةٍ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ اسْمَ جَارِهِ.
أَمَّا الْقَرْيَةُ فَإِيقَاعُهَا أَبْطَأُ، وَالْعَلَاقَاتُ فِيهَا أَمْتَنُ: يَعْرِفُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَتَعَاوَنُونَ فِي الْحَصَادِ وَفِي الْأَفْرَاحِ وَالْأَحْزَانِ.
وَالطَّعَامُ هُنَاكَ يَنْتَقِلُ مِنَ الْحَقْلِ إِلَى الْمَائِدَةِ مُبَاشَرَةً، وَالسَّمَاءُ فِي اللَّيْلِ مَا زَالَتْ مَلِيئَةً بِالنُّجُومِ.
وَإِذَا مَرِضَ أَحَدُهُمُ امْتَلَأَ بَيْتُهُ بِالزُّوَّارِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الطَّبِيبُ.
لٰكِنَّ الْقَرْيَةَ كَثِيرًا مَا تَضِيقُ بِأَحْلَامِ أَبْنَائِهَا، فَالْمَدَارِسُ قَلِيلَةٌ، وَالْعَمَلُ مَحْدُودٌ، وَأَقْرَبُ مُسْتَشْفًى قَدْ يَكُونُ عَلَى بُعْدِ سَاعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ.
وَلِهٰذَا يَهْجُرُهَا كَثِيرٌ مِنَ الشَّبَابِ، فَلَا يَبْقَى فِيهَا إِلَّا الشُّيُوخُ وَالْأَطْفَالُ.
وَقَدْ بَدَأَتْ هٰذِهِ الصُّورَةُ تَتَغَيَّرُ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ، فَبِفَضْلِ الْإِنْتَرْنِتِ صَارَ بِإِمْكَانِ بَعْضِ النَّاسِ أَنْ يَعْمَلُوا لِشَرِكَاتٍ فِي الْعَاصِمَةِ وَهُمْ جَالِسُونَ تَحْتَ شَجَرَةِ زَيْتُونٍ.
وَفِي الْمُقَابِلِ، يَهْرُبُ بَعْضُ سُكَّانِ الْمُدُنِ فِي عُطَلِهِمْ إِلَى الرِّيفِ بَحْثًا عَنْ شَيْءٍ مِنَ السَّكِينَةِ.
وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي أَلَّا نَنْظُرَ إِلَى الْأَمْرِ نَظْرَةَ مُفَاضَلَةٍ، بَلْ نَظْرَةَ تَكَامُلٍ، فَالْمَدِينَةُ تَحْتَاجُ إِلَى خَيْرَاتِ الْقَرْيَةِ، وَالْقَرْيَةُ تَحْتَاجُ إِلَى خَدَمَاتِ الْمَدِينَةِ.
وَالسَّعِيدُ مَنْ عَرَفَ مَا يُنَاسِبُهُ، فَاخْتَارَ مَكَانَهُ عَنْ رِضًا لَا عَنِ اضْطِرَارٍ.