لَمْ يَعُدْ تَغَيُّرُ الْمُنَاخِ حَدِيثًا عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ الْبَعِيدِ، بَلْ صَارَ وَاقِعًا يَلْمِسُهُ النَّاسُ فِي حَيَاتِهِمُ الْيَوْمِيَّةِ.
وَالْمِنْطَقَةُ الْعَرَبِيَّةُ مِنْ أَكْثَرِ مَنَاطِقِ الْعَالَمِ تَأَثُّرًا بِهِ، فَدَرَجَاتُ الْحَرَارَةِ فِيهَا تَرْتَفِعُ، بِحَسَبِ كَثِيرٍ مِنَ الدِّرَاسَاتِ، بِوَتِيرَةٍ أَسْرَعَ مِنَ الْمُتَوَسِّطِ الْعَالَمِيِّ.
وَقَدْ أَصْبَحَتْ مَوْجَاتُ الْحَرِّ أَطْوَلَ وَأَشَدَّ، حَتَّى تَجَاوَزَتِ الْحَرَارَةُ فِي بَعْضِ الْمُدُنِ خَمْسِينَ دَرَجَةً مِئَوِيَّةً.
وَأَخْطَرُ مِنَ الْحَرِّ شُحُّ الْمِيَاهِ، فَهٰذِهِ الْمِنْطَقَةُ تَضُمُّ عَدَدًا كَبِيرًا مِنْ أَفْقَرِ بُلْدَانِ الْعَالَمِ مَائِيًّا، وَأَمْطَارُهَا قَلِيلَةٌ أَصْلًا.
وَمَعَ ارْتِفَاعِ الْحَرَارَةِ يَزِيدُ التَّبَخُّرُ، وَتَجِفُّ التُّرْبَةُ، وَتَزْحَفُ الصَّحْرَاءُ عَلَى أَرَاضٍ كَانَتْ خَضْرَاءَ.
وَيَشْكُو الْفَلَّاحُونَ فِي بُلْدَانٍ كَثِيرَةٍ مِنِ اضْطِرَابِ مَوَاسِمِ الْمَطَرِ، فَهُوَ يَتَأَخَّرُ أَحْيَانًا، ثُمَّ يَنْزِلُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَيُسَبِّبُ سُيُولًا مُدَمِّرَةً.
أَمَّا الْمُدُنُ السَّاحِلِيَّةُ فَيُهَدِّدُهَا ارْتِفَاعُ مُسْتَوَى الْبَحْرِ، وَمِنْ أَبْرَزِ الْأَمْثِلَةِ دِلْتَا النِّيلِ، حَيْثُ يُخْشَى أَنْ تَتَسَرَّبَ الْمِيَاهُ الْمَالِحَةُ إِلَى الْأَرَاضِي الزِّرَاعِيَّةِ.
وَلٰكِنَّ الصُّورَةَ لَيْسَتْ قَاتِمَةً تَمَامًا، فَالْمِنْطَقَةُ تَمْلِكُ ثَرْوَةً لَا تَنْفَدُ، هِيَ الشَّمْسُ.
وَقَدْ أَقَامَ الْمَغْرِبُ قُرْبَ مَدِينَةِ وَرْزَازَاتَ مُجَمَّعَ «نُورٍ» لِلطَّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْمَحَطَّاتِ مِنْ نَوْعِهَا فِي الْعَالَمِ، كَمَا تَتَوَسَّعُ دُوَلُ الْخَلِيجِ فِي مَشَارِيعِ الطَّاقَةِ النَّظِيفَةِ.
وَتَلْجَأُ دُوَلٌ أُخْرَى إِلَى تَحْلِيَةِ مِيَاهِ الْبَحْرِ، وَإِلَى الرَّيِّ بِالتَّنْقِيطِ الَّذِي يُوَفِّرُ كَمِّيَّاتٍ كَبِيرَةً مِنَ الْمَاءِ.
وَقَدِ اسْتَضَافَتْ مِصْرُ مُؤْتَمَرَ الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ لِلْمُنَاخِ سَنَةَ ٢٠٢٢، ثُمَّ اسْتَضَافَتْهُ الْإِمَارَاتُ فِي السَّنَةِ التَّالِيَةِ، فِي إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ الْمِنْطَقَةَ صَارَتْ طَرَفًا أَسَاسِيًّا فِي هٰذَا النِّقَاشِ.
غَيْرَ أَنَّ الْحُلُولَ الْكُبْرَى لَا تُغْنِي عَنْ تَغْيِيرِ عَادَاتِنَا الصَّغِيرَةِ، فِي اسْتِهْلَاكِ الْمَاءِ وَالْكَهْرَبَاءِ، وَفِي تَعَامُلِنَا مَعَ الطَّعَامِ وَالنُّفَايَاتِ.
فَالصُّنْبُورُ الَّذِي يُتْرَكُ مَفْتُوحًا، وَالْخُبْزُ الَّذِي يُرْمَى فِي الْقُمَامَةِ، وَالْمُكَيِّفُ الَّذِي يَعْمَلُ فِي غُرْفَةٍ فَارِغَةٍ، كُلُّهَا تُضَافُ فِي النِّهَايَةِ إِلَى الْحِسَابِ.
فَالْمُنَاخُ قَضِيَّةُ كُلِّ بَيْتٍ، لَا قَضِيَّةُ الْحُكُومَاتِ وَحْدَهَا.