فِي الْقِطَارِ صَبَاحًا، أَتَأَمَّلُ وُجُوهَ الرُّكَّابِ، فَأَجِدُهُمْ جَمِيعًا مُنْحَنِينَ عَلَى شَاشَاتِهِمُ الصَّغِيرَةِ.
وَلَسْتُ أَسْتَثْنِي نَفْسِي مِنْهُمْ، فَهَاتِفِي أَيْضًا فِي يَدِي.
فَيُرَاوِدُنِي سُؤَالٌ قَدِيمٌ: هَلْ مَا زِلْنَا نَقْرَأُ، أَمْ أَنَّ زَمَنَ الْكِتَابِ قَدْ وَلَّى؟
يَقُولُ الْمُتَشَائِمُونَ إِنَّ النَّاسَ هَجَرُوا الْكُتُبَ، وَإِنَّ الْمَكْتَبَاتِ تَشْكُو قِلَّةَ الزُّوَّارِ، وَإِنَّ أَبْنَاءَنَا لَا يَصْبِرُونَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ بِضْعَةِ أَسْطُرٍ.
وَلٰكِنَّنِي أَظُنُّ أَنَّ الْحَقِيقَةَ أَعْقَدُ مِنْ ذٰلِكَ.
فَنَحْنُ الْيَوْمَ نَقْرَأُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ جِيلٍ سَبَقَنَا: نَقْرَأُ الرَّسَائِلَ وَالْأَخْبَارَ وَالتَّعْلِيقَاتِ مِنَ الصَّبَاحِ حَتَّى الْمَسَاءِ.
غَيْرَ أَنَّنَا نَقْرَأُ قِرَاءَةً سَرِيعَةً مُتَقَطِّعَةً، نَقْفِزُ فِيهَا مِنْ نَصٍّ إِلَى نَصٍّ كَمَا يَقْفِزُ الْعُصْفُورُ مِنْ غُصْنٍ إِلَى غُصْنٍ.
أَمَّا الْقِرَاءَةُ الْعَمِيقَةُ، الَّتِي يَغِيبُ فِيهَا الْقَارِئُ سَاعَةً فِي عَالَمِ رِوَايَةٍ، أَوْ يَتْبَعُ فِكْرَةً حَتَّى نِهَايَتِهَا، فَهِيَ الَّتِي تَتَرَاجَعُ.
وَهٰذِهِ الْقِرَاءَةُ لَيْسَتْ تَرَفًا، فَهِيَ الَّتِي تُعَلِّمُنَا الصَّبْرَ وَالتَّرْكِيزَ، وَتَجْعَلُنَا نَعِيشُ حَيَوَاتِ غَيْرِنَا فَنَفْهَمُهُمْ.
وَقَدْ لَاحَظَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُعَلِّمِينَ أَنَّ طُلَّابَهُمْ صَارُوا يَجِدُونَ صُعُوبَةً فِي قِرَاءَةِ فَصْلٍ كَامِلٍ دُونَ أَنْ تَمْتَدَّ أَيْدِيهِمْ إِلَى هَوَاتِفِهِمْ.
وَمَعَ ذٰلِكَ لَا أَرَى سَبَبًا لِلْيَأْسِ.
فَمَعَارِضُ الْكُتُبِ فِي الْقَاهِرَةِ وَالشَّارِقَةِ وَالرِّيَاضِ تَمْتَلِئُ كُلَّ عَامٍ بِالشَّبَابِ، وَأَنْدِيَةُ الْقِرَاءَةِ تَنْتَشِرُ فِي الْمُدُنِ وَعَلَى الْإِنْتَرْنِتِ نَفْسِهِ.
وَالْكِتَابُ الْمَسْمُوعُ أَعَادَ الْكُتُبَ إِلَى أُنَاسٍ لَا يَجِدُونَ وَقْتًا لِلْجُلُوسِ مَعَ كِتَابٍ وَرَقِيٍّ.
إِنَّ الْمُشْكِلَةَ، فِي رَأْيِي، لَيْسَتْ فِي الْوَسِيلَةِ، بَلْ فِي الْعَادَةِ.
وَالْعَادَةُ تُبْنَى كَمَا تُبْنَى الْعَضَلَاتُ، بِالتَّمْرِينِ الْيَوْمِيِّ، صَفْحَةً بَعْدَ صَفْحَةٍ.
فَمَنْ تَعَوَّدَ مُنْذُ صِغَرِهِ أَنْ يَرَى فِي يَدِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ كِتَابًا، أَحَبَّ الْكِتَابَ، سَوَاءٌ قَرَأَهُ عَلَى الْوَرَقِ أَمْ عَلَى الشَّاشَةِ.
فَلْنُطْفِئْ هَوَاتِفَنَا نِصْفَ سَاعَةٍ كُلَّ مَسَاءٍ، وَلْنَفْتَحْ كِتَابًا أَمَامَ أَطْفَالِنَا، فَالْقِرَاءَةُ، كَكَثِيرٍ مِنَ الْعَادَاتِ الْجَمِيلَةِ، تُعْدِي.