كَيْفَ نَرَى الْأَشْيَاءَ؟
يَبْدُو السُّؤَالُ بَسِيطًا، لٰكِنَّهُ حَيَّرَ الْعُلَمَاءَ وَالْفَلَاسِفَةَ قُرُونًا طَوِيلَةً.
فَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْعَيْنَ تُطْلِقُ أَشِعَّةً تَلْمِسُ الْأَشْيَاءَ فَتَرَاهَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى غَيْرِ ذٰلِكَ.
ثُمَّ جَاءَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْهَيْثَمِ، الْمَوْلُودُ فِي الْبَصْرَةِ نَحْوَ سَنَةِ ٩٦٥، فَحَسَمَ الْمَسْأَلَةَ بِالتَّجْرِبَةِ لَا بِالْجَدَلِ.
وَيُرْوَى أَنَّ شُهْرَتَهُ بَلَغَتِ الْخَلِيفَةَ الْفَاطِمِيَّ الْحَاكِمَ بِأَمْرِ اللَّهِ، فَدَعَاهُ إِلَى مِصْرَ لَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ ضَبْطَ فَيَضَانِ النِّيلِ.
وَلَمَّا سَافَرَ جَنُوبًا وَرَأَى النَّهْرَ بِنَفْسِهِ، أَدْرَكَ أَنَّ الْمَشْرُوعَ مُسْتَحِيلٌ بِأَدَوَاتِ عَصْرِهِ.
فَخَشِيَ غَضَبَ الْخَلِيفَةِ، وَتَظَاهَرَ بِالْجُنُونِ، فَلَزِمَ بَيْتَهُ سَنَوَاتٍ حَتَّى مَاتَ الْحَاكِمُ.
وَيُقَالُ إِنَّهُ كَتَبَ فِي تِلْكَ الْعُزْلَةِ أَشْهَرَ مُؤَلَّفَاتِهِ: «كِتَابَ الْمَنَاظِرِ».
وَفِيهِ أَثْبَتَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ تَحْدُثُ حِينَ يَأْتِي الضَّوْءُ مِنَ الْأَشْيَاءِ فَيَدْخُلُ الْعَيْنَ، لَا حِينَ يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ الْعَيْنِ.
وَدَرَسَ انْعِكَاسَ الضَّوْءِ عَلَى الْمَرَايَا، وَانْكِسَارَهُ حِينَ يَنْتَقِلُ مِنَ الْهَوَاءِ إِلَى الْمَاءِ أَوِ الزُّجَاجِ، وَوَصَفَ تَرْكِيبَ الْعَيْنِ وَصْفًا مُفَصَّلًا.
وَمِنْ أَشْهَرِ تَجَارِبِهِ «الْبَيْتُ الْمُظْلِمُ»، وَهُوَ غُرْفَةٌ مُعْتِمَةٌ فِي جِدَارِهَا ثُقْبٌ صَغِيرٌ، تَظْهَرُ عَلَى الْجِدَارِ الْمُقَابِلِ صُورَةُ مَا فِي الْخَارِجِ مَقْلُوبَةً.
وَهٰذِهِ هِيَ الْفِكْرَةُ الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهَا آلَةُ التَّصْوِيرِ بَعْدَ قُرُونٍ، وَمِنِ اسْمِ هٰذِهِ الْغُرْفَةِ فِي اللَّاتِينِيَّةِ جَاءَتْ كَلِمَةُ «الْكَامِيرَا».
وَأَهَمُّ مِنْ نَتَائِجِهِ مَنْهَجُهُ، فَقَدْ كَانَ لَا يَقْبَلُ رَأْيًا قَبْلَ أَنْ يَخْتَبِرَهُ، وَلَوْ كَانَ صَاحِبُهُ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ الْقُدَمَاءِ.
وَقَدْ أَلَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ «الشُّكُوكَ عَلَى بَطْلَيْمُوسَ»، جَمَعَ فِيهِ مَا وَجَدَهُ مِنْ أَخْطَاءٍ فِي كُتُبِ هٰذَا الْفَلَكِيِّ الْيُونَانِيِّ الشَّهِيرِ.
وَقَدْ تُرْجِمَ كِتَابُهُ إِلَى اللَّاتِينِيَّةِ، وَعَرَفَهُ الْأُورُوبِّيُّونَ بِاسْمٍ لَاتِينِيٍّ هُوَ «أَلْهَازِنُ»، فَتَأَثَّرَ بِهِ عُلَمَاءُ كِبَارٌ مِثْلُ رُوجِرْ بِيكُونَ وَكِبْلَرَ.
وَفِي سَنَةِ ٢٠١٥، الَّتِي سَمَّتْهَا الْأُمَمُ الْمُتَّحِدَةُ «السَّنَةَ الدَّوْلِيَّةَ لِلضَّوْءِ»، احْتَفَلَ الْعَالَمُ بِمُرُورِ أَلْفِ عَامٍ عَلَى أَعْمَالِهِ فِي عِلْمِ الْبَصَرِيَّاتِ.