كَانَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَاضِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ فِي أَيَّامِ الْخَلِيفَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَدْ ضَرَبَ النَّاسُ الْمَثَلَ بِذَكَائِهِ وَفِرَاسَتِهِ.
وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ يَوْمًا يَشْكُو جَارًا لَهُ، فَقَالَ: «أَيُّهَا الْقَاضِي، تَرَكْتُ عِنْدَهُ مَالًا قَبْلَ أَنْ أُسَافِرَ، فَلَمَّا عُدْتُ وَطَلَبْتُهُ أَنْكَرَهُ».
فَسَأَلَهُ إِيَاسٌ: «هَلْ رَآكُمَا أَحَدٌ؟»
قَالَ: «لَا، كُنَّا وَحْدَنَا تَحْتَ شَجَرَةٍ خَارِجَ الْمَدِينَةِ».
فَأَرْسَلَ إِيَاسٌ إِلَى الرَّجُلِ الْمُتَّهَمِ، فَجَاءَ هَادِئًا، وَأَقْسَمَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ مَالًا، وَلَا يَعْرِفُ عَنْ هٰذَا الْأَمْرِ شَيْئًا.
فَلَمْ يَتَّهِمْهُ الْقَاضِي، بَلْ قَالَ لِلشَّاكِي بِلُطْفٍ: «اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ، فَلَعَلَّكَ إِذَا رَأَيْتَهَا تَذَكَّرْتَ مَا جَرَى».
فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، وَجَلَسَ الْمُتَّهَمُ يَنْتَظِرُ، وَالْقَاضِي يَنْظُرُ فِي قَضَايَا أُخْرَى كَأَنَّهُ نَسِيَ الْأَمْرَ كُلَّهُ.
وَبَعْدَ مُدَّةٍ الْتَفَتَ إِيَاسٌ إِلَى الْمُتَّهَمِ فَجْأَةً وَسَأَلَهُ: «أَتَظُنُّ أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ بَلَغَ الشَّجَرَةَ الْآنَ؟»
فَأَجَابَ الرَّجُلُ دُونَ تَفْكِيرٍ: «لَا، لَيْسَ بَعْدُ، فَهِيَ بَعِيدَةٌ عَنْ هُنَا».
فَقَالَ إِيَاسٌ: «كَيْفَ تَعْرِفُ مَكَانَ الشَّجَرَةِ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَمْ تَأْخُذْ مِنْهُ عِنْدَهَا شَيْئًا؟»
فَاضْطَرَبَ الرَّجُلُ، وَعَرَفَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْفَخِّ، فَاعْتَرَفَ بِالْمَالِ وَرَدَّهُ.
فَلَمَّا عَادَ صَاحِبُ الْمَالِ وَجَدَ مَالَهُ فِي انْتِظَارِهِ، وَلَمْ يَحْتَجِ الْقَاضِي إِلَى سَوْطٍ وَلَا إِلَى تَهْدِيدٍ.
وَقَدْ أُعْجِبَ النَّاسُ بِهٰذِهِ الْحِيلَةِ، لِأَنَّ إِيَاسًا لَمْ يَسْأَلِ الرَّجُلَ عَنِ الْمَالِ مُبَاشَرَةً، بَلْ تَرَكَ لِسَانَهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ.
فَالْكَاذِبُ يَحْفَظُ كِذْبَتَهُ جَيِّدًا، وَلٰكِنَّهُ قَلَّمَا يَنْتَبِهُ إِلَى مَا يَكْشِفُهُ كَلَامُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ.
وَاللِّصُّ لَيْسَ دَائِمًا مَنْ يَتَسَلَّقُ الْجُدْرَانَ فِي اللَّيْلِ، فَقَدْ يَكُونُ جَارًا يَبْدُو أَمِينًا فِي وَضَحِ النَّهَارِ.
وَمَا زَالَتْ هٰذِهِ الْقِصَّةُ تُرْوَى إِلَى الْيَوْمِ مِثَالًا عَلَى أَنَّ الْعَدْلَ يَحْتَاجُ إِلَى عَقْلٍ ذَكِيٍّ قَبْلَ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى قُوَّةٍ.