يُحْكَى أَنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ الزَّمَانِ الْقَدِيمِ كَانَ مُولَعًا بِالصَّيْدِ، وَكَانَ لَهُ صَقْرٌ رَبَّاهُ بِيَدِهِ، فَلَا يُفَارِقُهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا.
وَقَدْ صَنَعَ لَهُ كَأْسًا صَغِيرَةً مِنَ الذَّهَبِ عَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ، لِيَسْقِيَهُ مِنْهَا كُلَّمَا عَطِشَ.
وَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ مَعَ رِجَالِهِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَأَحَاطُوا بِغَزَالٍ، فَقَالَ الْمَلِكُ: «مَنْ هَرَبَ الْغَزَالُ مِنْ جِهَتِهِ عَاقَبْتُهُ!»
فَقَفَزَ الْغَزَالُ مِنْ جِهَةِ الْمَلِكِ نَفْسِهِ، وَانْطَلَقَ كَالسَّهْمِ، فَتَغَامَزَ الرِّجَالُ، وَخَجِلَ الْمَلِكُ فَلَحِقَ بِهِ وَحْدَهُ.
وَظَلَّ يُطَارِدُهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ الصَّقْرُ، لٰكِنَّ الْمَلِكَ كَانَ قَدِ ابْتَعَدَ كَثِيرًا، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فِي حَرِّ الظَّهِيرَةِ.
وَبَحَثَ عَنِ الْمَاءِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَلَمْ يَجِدْ إِلَّا رِمَالًا وَصُخُورًا تَلْمَعُ تَحْتَ الشَّمْسِ.
فَرَأَى شَجَرَةً عَالِيَةً يَقْطُرُ مِنْ أَغْصَانِهَا سَائِلٌ يُشْبِهُ الْمَاءَ، فَفَرِحَ، وَأَخَذَ الْكَأْسَ مِنْ عُنُقِ الصَّقْرِ، وَوَضَعَهَا تَحْتَ الْأَغْصَانِ حَتَّى امْتَلَأَتْ.
وَقَبْلَ أَنْ يَرْفَعَهَا إِلَى فَمِهِ، ضَرَبَ الصَّقْرُ الْكَأْسَ بِجَنَاحِهِ، فَانْسَكَبَ مَا فِيهَا عَلَى الرَّمْلِ.
فَغَضِبَ الْمَلِكُ، لٰكِنَّهُ صَبَرَ وَمَلَأَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً، فَكَرَّرَ الصَّقْرُ مَا فَعَلَ.
وَفِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ لَمْ يَمْلِكِ الْمَلِكُ نَفْسَهُ، فَاسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ الصَّقْرَ ضَرْبَةً قَطَعَتْ جَنَاحَيْهِ، وَهُوَ يَصِيحُ: «أَهٰكَذَا تَمْنَعُنِي الْمَاءَ وَأَنَا أَمُوتُ عَطَشًا؟»
فَرَفَعَ الصَّقْرُ رَأْسَهُ بِصُعُوبَةٍ، وَأَشَارَ بِمِنْقَارِهِ إِلَى أَعْلَى الشَّجَرَةِ.
فَنَظَرَ الْمَلِكُ، فَإِذَا حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ مُلْتَفَّةٌ عَلَى الْأَغْصَانِ، وَإِذَا الَّذِي ظَنَّهُ مَاءً سُمٌّ يَقْطُرُ مِنْ فَمِهَا.
فَسَقَطَتِ الْكَأْسُ مِنْ يَدِهِ، وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ بِجَانِبِ صَقْرِهِ.
فَأَدْرَكَ أَنَّ الصَّقْرَ أَنْقَذَ حَيَاتَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَنَّهُ جَزَاهُ عَلَى وَفَائِهِ بِالسَّيْفِ.
فَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَرَكِبَ عَائِدًا إِلَى الْمَدِينَةِ، لٰكِنَّ الطَّائِرَ مَاتَ فِي الطَّرِيقِ.
فَبَكَاهُ الْمَلِكُ طَوِيلًا، وَظَلَّ بَقِيَّةَ عُمُرِهِ يَقُولُ لِمَنْ حَوْلَهُ: «لَا تَحْكُمُوا عَلَى أَحَدٍ وَأَنْتُمْ غَاضِبُونَ، فَإِنَّ الْغَضَبَ يُعْمِي الْبَصَرَ».
وَمَا أَصْدَقَ الْمَثَلَ الْعَرَبِيَّ: «فِي التَّأَنِّي السَّلَامَةُ، وَفِي الْعَجَلَةِ النَّدَامَةُ».