يُقَالُ إِنَّ الْإِنْسَانَ يَخْتَارُ أَصْدِقَاءَهُ وَلَا يَخْتَارُ أَهْلَهُ، وَلِهٰذَا كَانَتِ الصَّدَاقَةُ مِرْآةً صَادِقَةً لِنُفُوسِنَا.
وَقَدْ شَغَلَتِ الصَّدَاقَةُ الْفَلَاسِفَةَ وَالشُّعَرَاءَ مُنْذُ الْقِدَمِ، فَقَسَّمَهَا أَرِسْطُو إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ.
فَهُنَاكَ صَدَاقَةُ الْمَنْفَعَةِ، الَّتِي تَقُومُ عَلَى مَصْلَحَةٍ مُتَبَادَلَةٍ، كَصَدَاقَةِ زَمِيلَيْنِ فِي الْعَمَلِ أَوْ شَرِيكَيْنِ فِي التِّجَارَةِ.
وَهُنَاكَ صَدَاقَةُ الْمُتْعَةِ، الَّتِي يَجْمَعُ فِيهَا النَّاسَ لَهْوٌ مُشْتَرَكٌ أَوْ حَدِيثٌ مُمْتِعٌ.
وَكِلْتَاهُمَا تَزُولُ غَالِبًا بِزَوَالِ سَبَبِهَا.
أَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَنْدَرُهَا، فَصَدَاقَةُ الْفَضِيلَةِ: أَنْ تُحِبَّ صَدِيقَكَ لِذَاتِهِ، وَتُرِيدَ لَهُ الْخَيْرَ كَمَا تُرِيدُهُ لِنَفْسِكَ.
وَهٰذِهِ الصَّدَاقَةُ تَحْتَاجُ إِلَى وَقْتٍ طَوِيلٍ، فَلَا يَعْرِفُ الْمَرْءُ صَاحِبَهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ حَتَّى يُسَافِرَ مَعَهُ، أَوْ يُعَامِلَهُ بِالْمَالِ، أَوْ يَمُرَّ مَعَهُ بِمِحْنَةٍ.
وَفِي تُرَاثِنَا الْعَرَبِيِّ أَمْثَالٌ كَثِيرَةٌ فِي هٰذَا الْمَعْنَى، أَشْهَرُهَا: «الصَّدِيقُ وَقْتَ الضِّيقِ».
فَالرَّخَاءُ يَجْمَعُ حَوْلَكَ النَّاسَ، أَمَّا الشِّدَّةُ فَتَكْشِفُ لَكَ مَنْ يَبْقَى.
وَلِلصَّدَاقَةِ آدَابٌ لَا تَدُومُ إِلَّا بِهَا، أَوَّلُهَا الصِّدْقُ، فَصَدِيقُكَ مَنْ صَدَقَكَ، لَا مَنْ صَدَّقَكَ.
وَمِنْهَا أَنْ تَحْفَظَ سِرَّهُ، وَأَنْ تَذْكُرَهُ بِخَيْرٍ فِي غِيَابِهِ، وَأَنْ تَغْفِرَ زَلَّتَهُ، فَمَنْ طَلَبَ صَدِيقًا بِلَا عَيْبٍ بَقِيَ بِلَا صَدِيقٍ.
وَقَدْ غَيَّرَتْ وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ مَعْنَى الْكَلِمَةِ، فَصَارَ لِلْوَاحِدِ مِنَّا مِئَاتُ «الْأَصْدِقَاءِ» عَلَى الشَّاشَةِ.
وَلَيْسَ فِي ذٰلِكَ عَيْبٌ، فَهٰذِهِ الْوَسَائِلُ تَصِلُنَا بِأَصْدِقَاءَ قُدَامَى فَرَّقَتْنَا عَنْهُمُ الْمَسَافَاتُ.
لٰكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ التَّأَمُّلَ هُوَ: كَمْ مِنْ هٰؤُلَاءِ يَطْرُقُ بَابَكَ إِذَا مَرِضْتَ، أَوْ يَسْهَرُ مَعَكَ إِذَا ضَاقَتْ بِكَ الدُّنْيَا؟
إِنَّ الصَّدِيقَ الْحَقِيقِيَّ كَنْزٌ لَا يُشْتَرَى، وَلٰكِنَّهُ يُكْسَبُ بِالْوَفَاءِ وَالصَّبْرِ وَالْعَطَاءِ الَّذِي لَا يَنْتَظِرُ مُقَابِلًا.
فَإِذَا وَجَدْتَهُ فَتَمَسَّكْ بِهِ، فَقَدْ قَالَتِ الْعَرَبُ قَدِيمًا: «رُبَّ أَخٍ لَكَ لَمْ تَلِدْهُ أُمُّكَ».
وَأَجْمَلُ مِنْ أَنْ تَجِدَ هٰذَا الصَّدِيقَ أَنْ تَكُونَهُ أَنْتَ لِغَيْرِكَ.