فِي مُنْتَصَفِ الْقَرْنِ الْخَامِسَ عَشَرَ، طَوَّرَ الْأَلْمَانِيُّ غُوتِنْبِرْغُ طَرِيقَةً لِلطِّبَاعَةِ بِحُرُوفٍ مَعْدِنِيَّةٍ مُتَحَرِّكَةٍ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الْمَعْرِفَةِ فِي أُورُوبَّا.
أَمَّا الْكِتَابُ الْعَرَبِيُّ فَظَلَّ قُرُونًا بَعْدَ ذٰلِكَ يُكْتَبُ بِالْيَدِ، وَيُنْسَخُ عَلَى أَيْدِي النُّسَّاخِ وَالْخَطَّاطِينَ.
وَمِنَ الْمُفَارَقَاتِ أَنَّ أَوَّلَ كِتَابٍ نَعْرِفُهُ طُبِعَ بِحُرُوفٍ عَرَبِيَّةٍ مُتَحَرِّكَةٍ ظَهَرَ فِي إِيطَالِيَا، وَهُوَ كِتَابُ صَلَوَاتٍ لِلْمَسِيحِيِّينَ الْعَرَبِ طُبِعَ فِي مَدِينَةِ فَانُو سَنَةَ ١٥١٤.
وَبَعْدَ ذٰلِكَ بِسَنَوَاتٍ طُبِعَ فِي الْبُنْدُقِيَّةِ مُصْحَفٌ مَلِيءٌ بِالْأَخْطَاءِ، فَلَمْ يَلْقَ قَبُولًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ.
وَيَخْتَلِفُ الْمُؤَرِّخُونَ فِي أَسْبَابِ تَأَخُّرِ الطِّبَاعَةِ فِي الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ مَكَانَةَ الْخَطِّ وَتَقْدِيسَ النَّاسِ لِلْمُصْحَفِ الْمَكْتُوبِ بِالْيَدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ مَصَالِحَ آلَافِ النُّسَّاخِ الَّذِينَ كَانُوا يَعِيشُونَ مِنْ صَنْعَتِهِمْ.
وَهُنَاكَ سَبَبٌ تِقْنِيٌّ أَيْضًا، فَالْحُرُوفُ الْعَرَبِيَّةُ مُتَّصِلَةٌ، وَلِلْحَرْفِ الْوَاحِدِ أَشْكَالٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ وَوَسَطِهَا وَآخِرِهَا، مِمَّا جَعَلَ صُنْعَ الْحُرُوفِ الْمَعْدِنِيَّةِ أَصْعَبَ بِكَثِيرٍ.
وَفِي أَوَائِلِ الْقَرْنِ الثَّامِنَ عَشَرَ أُنْشِئَتْ مَطْبَعَةٌ عَرَبِيَّةٌ فِي حَلَبَ، ثُمَّ أُخْرَى فِي دَيْرٍ بِجَبَلِ لُبْنَانَ، وَكَانَتْ كُتُبُهُمَا فِي الْغَالِبِ كُتُبًا دِينِيَّةً مَسِيحِيَّةً.
وَفِي إِسْطَنْبُولَ أَسَّسَ إِبْرَاهِيمُ مُتَفَرِّقَةُ سَنَةَ ١٧٢٧ أَوَّلَ مَطْبَعَةٍ يُدِيرُهَا مُسْلِمٌ بِالْحُرُوفِ الْعَرَبِيَّةِ فِي الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَطَبَعَ فِيهَا مَعَاجِمَ وَكُتُبًا فِي التَّارِيخِ وَالْجُغْرَافِيَا.
ثُمَّ جَاءَتْ حَمْلَةُ نَابُلْيُونَ عَلَى مِصْرَ سَنَةَ ١٧٩٨ وَمَعَهَا مَطْبَعَةٌ أَصْدَرَتْ مَنْشُورَاتٍ بِالْعَرَبِيَّةِ، لٰكِنَّهَا رَحَلَتْ مَعَ الْفَرَنْسِيِّينَ.
وَالتَّحَوُّلُ الْحَقِيقِيُّ بَدَأَ حِينَ أَنْشَأَ مُحَمَّدُ عَلِيٍّ بَاشَا مَطْبَعَةَ بُولَاقَ فِي الْقَاهِرَةِ، فَأَصْدَرَتْ أَوَّلَ كُتُبِهَا فِي أَوَائِلِ الْعِشْرِينِيَّاتِ مِنَ الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ.
وَطَبَعَتْ بُولَاقُ مِئَاتِ الْكُتُبِ فِي الطِّبِّ وَالْهَنْدَسَةِ وَالْأَدَبِ، وَمِنْهَا طَبَعَاتٌ مِنْ أُمَّهَاتِ التُّرَاثِ مَا زَالَ الْبَاحِثُونَ يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا حَتَّى الْيَوْمِ.
وَصَدَرَتْ مِنْهَا كَذٰلِكَ «الْوَقَائِعُ الْمِصْرِيَّةُ» سَنَةَ ١٨٢٨، وَهِيَ مِنْ أَقْدَمِ الصُّحُفِ فِي الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ.
وَمُنْذُ ذٰلِكَ الْحِينِ لَمْ يَعُدِ الْكِتَابُ حِكْرًا عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، فَقَدْ رَخُصَ ثَمَنُهُ، وَانْتَشَرَتِ الصُّحُفُ وَالْمَجَلَّاتُ، وَاتَّسَعَتْ دَائِرَةُ الْقُرَّاءِ اتِّسَاعًا لَمْ يَعْرِفْهُ الْعَرَبُ مِنْ قَبْلُ.