فِي بَغْدَادَ، أَيَّامَ الْخَلِيفَةِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، كَانَ حَمَّالٌ فَقِيرٌ اسْمُهُ السِّنْدِبَادُ يَسْتَرِيحُ أَمَامَ دَارٍ فَخْمَةٍ، فَشَكَا حَظَّهُ بِصَوْتٍ عَالٍ.
فَدَعَاهُ صَاحِبُ الدَّارِ إِلَى الدَّاخِلِ، وَقَالَ لَهُ: «أَنَا أَيْضًا اسْمِي السِّنْدِبَادُ، وَلَمْ أَبْلُغْ هٰذِهِ النِّعْمَةَ إِلَّا بَعْدَ أَهْوَالٍ عَظِيمَةٍ، فَاسْمَعْ حِكَايَتِي».
قَالَ: وَرِثْتُ عَنْ أَبِي مَالًا كَثِيرًا، فَأَنْفَقْتُهُ فِي اللَّهْوِ حَتَّى كِدْتُ أُفْلِسُ، فَنَدِمْتُ، وَبِعْتُ مَا بَقِيَ لِي، وَاشْتَرَيْتُ بِضَاعَةً، وَرَكِبْتُ الْبَحْرَ مِنَ الْبَصْرَةِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ التُّجَّارِ.
وَبَعْدَ أَيَّامٍ مِنَ السَّفَرِ وَصَلْنَا إِلَى جَزِيرَةٍ خَضْرَاءَ كَأَنَّهَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَنَزَلْنَا إِلَيْهَا، وَأَوْقَدْنَا النَّارَ لِنَطْبُخَ طَعَامَنَا.
وَفَجْأَةً اهْتَزَّتِ الْجَزِيرَةُ تَحْتَ أَقْدَامِنَا، وَصَاحَ الرُّبَّانُ مِنَ السَّفِينَةِ: «انْجُوا بِأَنْفُسِكُمْ، فَلَيْسَتْ هٰذِهِ جَزِيرَةً، بَلْ سَمَكَةٌ عَظِيمَةٌ أَيْقَظَتْهَا حَرَارَةُ النَّارِ!»
فَأَسْرَعَ الرِّجَالُ إِلَى السَّفِينَةِ، وَغَاصَتِ السَّمَكَةُ فِي الْأَعْمَاقِ قَبْلَ أَنْ أَلْحَقَ بِهِمْ، فَوَجَدْتُ نَفْسِي وَحِيدًا بَيْنَ الْأَمْوَاجِ.
وَلَوْلَا قَصْعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْخَشَبِ طَفَتْ بِجَانِبِي فَتَعَلَّقْتُ بِهَا، لَكُنْتُ مِنَ الْغَارِقِينَ.
وَظَلَّتِ الرِّيَاحُ وَالْأَمْوَاجُ تَتَقَاذَفُنِي يَوْمًا وَلَيْلَةً، حَتَّى أَلْقَتْنِي عَلَى شَاطِئِ جَزِيرَةٍ أُخْرَى، وَقَدْ كَادَ الْجُوعُ وَالتَّعَبُ يَقْتُلَانِنِي.
وَهُنَاكَ وَجَدَنِي رِجَالُ الْمَلِكِ الْمِهْرَجَانِ، فَأَخَذُونِي إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَ قِصَّتِي أَكْرَمَنِي، وَجَعَلَنِي كَاتِبًا عَلَى مِينَاءِ مَدِينَتِهِ أُسَجِّلُ السُّفُنَ الدَّاخِلَةَ وَالْخَارِجَةَ.
وَذَاتَ يَوْمٍ رَسَتْ فِي الْمِينَاءِ سَفِينَةٌ، فَإِذَا هِيَ السَّفِينَةُ الَّتِي تَرَكَتْنِي، وَإِذَا بِضَاعَتِي مَا زَالَتْ فِيهَا وَعَلَيْهَا اسْمِي.
فَقَالَ الرُّبَّانُ: «هٰذِهِ بِضَاعَةُ تَاجِرٍ غَرِقَ مَعَنَا، وَسَنَبِيعُهَا وَنَحْمِلُ ثَمَنَهَا إِلَى أَهْلِهِ فِي بَغْدَادَ».
فَقُلْتُ لَهُ: «أَنَا صَاحِبُهَا، أَنَا السِّنْدِبَادُ»، فَلَمْ يُصَدِّقْنِي حَتَّى ذَكَرْتُ لَهُ أُمُورًا لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ عَلَى السَّفِينَةِ.
فَأَخَذْتُ بِضَاعَتِي وَبِعْتُهَا بِرِبْحٍ كَبِيرٍ، وَأَهْدَيْتُ إِلَى الْمَلِكِ هَدَايَا ثَمِينَةً، ثُمَّ عُدْتُ إِلَى بَغْدَادَ غَنِيًّا، وَنَسِيتُ مَا لَقِيتُهُ مِنَ الْأَهْوَالِ.
ثُمَّ ابْتَسَمَ السِّنْدِبَادُ الْبَحْرِيُّ وَقَالَ لِضَيْفِهِ: «لٰكِنَّ نَفْسِي اشْتَاقَتْ إِلَى السَّفَرِ مَرَّةً أُخْرَى، فَعُدْ إِلَيَّ غَدًا أُحَدِّثْكَ عَنْ رِحْلَتِي الثَّانِيَةِ».