قَبْلَ عِشْرِينَ عَامًا كَانَ أَبِي يَنْتَظِرُ نَشْرَةَ الْأَخْبَارِ فِي التِّلْفَازِ كُلَّ مَسَاءٍ، وَيَشْتَرِي الْجَرِيدَةَ كُلَّ صَبَاحٍ مِنَ الْكُشْكِ نَفْسِهِ.
أَمَّا الْيَوْمَ فَالْأَخْبَارُ هِيَ الَّتِي تَبْحَثُ عَنَّا: تَصِلُنَا عَلَى هَوَاتِفِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْتَيْقِظَ، وَتُلَاحِقُنَا حَتَّى نَنَامَ.
وَلِهٰذَا التَّحَوُّلِ وَجْهٌ مُشْرِقٌ لَا يُنْكَرُ، فَقَدْ صَارَ بِإِمْكَانِ أَيِّ شَخْصٍ أَنْ يَنْقُلَ مَا تَرَاهُ عَيْنَاهُ، وَأَنْ يُسْمِعَ الْعَالَمَ صَوْتَهُ دُونَ أَنْ يَمُرَّ بِرَئِيسِ تَحْرِيرٍ.
وَكَمْ مِنْ حَدَثٍ مُهِمٍّ عَرَفْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ صُورَةٍ الْتَقَطَهَا شَاهِدٌ بِهَاتِفِهِ!
لٰكِنَّ لِلصُّورَةِ وَجْهًا آخَرَ أَكْثَرَ قَتَامَةً.
فَالْخَبَرُ الْكَاذِبُ أَسْرَعُ انْتِشَارًا مِنَ الصَّادِقِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ إِثَارَةً، وَلِأَنَّنَا نُشَارِكُهُ قَبْلَ أَنْ نَتَحَقَّقَ مِنْهُ.
ثُمَّ إِنَّ الْخَوَارِزْمِيَّاتِ الَّتِي تَخْتَارُ لَنَا مَا نَرَاهُ تُفَضِّلُ مَا يُغْضِبُنَا أَوْ يُوَافِقُ آرَاءَنَا، فَيَعِيشُ كُلٌّ مِنَّا فِي فُقَّاعَةٍ لَا يَسْمَعُ فِيهَا إِلَّا صَدَى صَوْتِهِ.
وَقَدْ تَعَلَّمْتُ الْحَذَرَ مِنْ تَجْرِبَةٍ مُحْرِجَةٍ.
فَقَبْلَ سَنَوَاتٍ نَشَرْتُ خَبَرًا عَنْ وَفَاةِ مُمَثِّلٍ مَشْهُورٍ، وَبَعْدَ سَاعَةٍ ظَهَرَ الرَّجُلُ فِي مُقَابَلَةٍ تِلْفِزْيُونِيَّةٍ يَضْحَكُ مِنَ الشَّائِعَةِ.
وَمُنْذُ ذٰلِكَ الْيَوْمِ صِرْتُ أَسْأَلُ نَفْسِي ثَلَاثَةَ أَسْئِلَةٍ قَبْلَ أَنْ أُشَارِكَ أَيَّ خَبَرٍ: مَا مَصْدَرُهُ؟ وَهَلْ نَشَرَتْهُ جِهَةٌ مَوْثُوقَةٌ؟ وَمَاذَا يُرِيدُ مِنِّي أَنْ أَشْعُرَ؟
فَإِذَا كَانَ الْخَبَرُ يُثِيرُ غَضَبِي بِشِدَّةٍ، فَهٰذَا فِي ذَاتِهِ سَبَبٌ لِلتَّمَهُّلِ.
وَلَسْتُ أَدْعُو إِلَى هَجْرِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، فَهِيَ أَدَاةٌ، وَالْأَدَاةُ نَافِعَةٌ أَوْ ضَارَّةٌ بِقَدْرِ عَقْلِ مَنْ يَسْتَعْمِلُهَا.
وَلٰكِنِّي أَدْعُو إِلَى أَنْ نُعَامِلَ كُلَّ خَبَرٍ كَمَا يُعَامِلُ الصَّرَّافُ الْعُمْلَةَ: يُقَلِّبُهَا وَيَفْحَصُهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَهَا.
وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ زِرَّ الْمُشَارَكَةِ لَا يَحْتَاجُ إِلَّا إِلَى ثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ، أَمَّا تَصْحِيحُ الْخَطَأِ فَقَدْ يَحْتَاجُ إِلَى أَيَّامٍ.
فَفِي زَمَنٍ صَارَ فِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا نَاشِرًا، صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا مَسْؤُولًا أَيْضًا.