فِي حِكَايَاتِ «أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ» شَابٌّ أَعْرَجُ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ، فَلَمَّا رَأَى بَيْنَ الضُّيُوفِ مُزَيِّنًا عَجُوزًا، هَمَّ بِالْخُرُوجِ.
فَلَمَّا سَأَلَهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ عَنِ السَّبَبِ، قَالَ: «هٰذَا الرَّجُلُ سَبَبُ عَرَجِي وَغُرْبَتِي، وَقَدْ أَقْسَمْتُ أَلَّا أَجْلِسَ مَعَهُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ».
ثُمَّ رَوَى قِصَّتَهُ: كَانَ لَهُ فِي بَغْدَادَ مَوْعِدٌ مُهِمٌّ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِ مُزَيِّنٍ يَحْلِقُ لَهُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْمَوْعِدِ.
فَجَاءَ هٰذَا الْمُزَيِّنُ، لٰكِنَّهُ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَبْدَأَ عَمَلَهُ أَخْرَجَ أَسْطُرْلَابًا، وَخَرَجَ إِلَى صَحْنِ الدَّارِ يَقِيسُ ارْتِفَاعَ الشَّمْسِ، لِيَعْرِفَ هَلِ السَّاعَةُ مُبَارَكَةٌ لِلْحِلَاقَةِ.
ثُمَّ عَادَ وَقَالَ: «اعْلَمْ يَا سَيِّدِي أَنَّنِي لَسْتُ مُزَيِّنًا فَحَسْبُ، بَلْ أَعْرِفُ النَّحْوَ وَالطِّبَّ وَالْفَلَكَ وَالْكِيمِيَاءَ وَالشِّعْرَ».
وَظَلَّ يَتَكَلَّمُ وَالشَّابُّ يَتَمَلْمَلُ فِي مَكَانِهِ، حَتَّى صَاحَ بِهِ: «احْلِقْ رَأْسِي وَانْصَرِفْ، فَقَدْ ضَاقَ صَدْرِي!»
فَقَالَ الْمُزَيِّنُ بِهُدُوءٍ: «عَجَبًا لَكَ! إِنَّ النَّاسَ يُسَمُّونَنِي الصَّامِتَ لِقِلَّةِ كَلَامِي، وَأَنَا أَقَلُّ إِخْوَتِي السِّتَّةِ كَلَامًا».
فَضَحِكَ الشَّابُّ رَغْمَ غَضَبِهِ، فَمَا رَأَى فِي حَيَاتِهِ أَحَدًا أَكْثَرَ كَلَامًا مِنْ هٰذَا «الصَّامِتِ».
ثُمَّ حَلَقَ جَانِبًا مِنْ رَأْسِهِ، وَتَوَقَّفَ لِيَحْكِيَ لَهُ أَخْبَارَ إِخْوَتِهِ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَالشَّمْسُ تَقْتَرِبُ مِنْ وَسَطِ السَّمَاءِ.
وَلَمَّا فَرَغَ أَخِيرًا، أَصَرَّ عَلَى أَنْ يُرَافِقَ الشَّابَّ إِلَى مَوْعِدِهِ خَوْفًا عَلَيْهِ، فَتَبِعَهُ فِي الطُّرُقَاتِ رَغْمَ احْتِجَاجِهِ.
وَوَقَفَ أَمَامَ الدَّارِ الَّتِي دَخَلَهَا الشَّابُّ، فَلَمَّا سَمِعَ صِيَاحًا فِي دَاخِلِهَا ظَنَّ أَنَّ صَاحِبَهُ فِي خَطَرٍ، فَأَخَذَ يَصْرُخُ وَيَجْمَعُ النَّاسَ.
فَارْتَبَكَ الشَّابُّ وَحَاوَلَ الْهَرَبَ، فَسَقَطَ وَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ، وَمُنْذُ ذٰلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ يَعْرُجُ.
ثُمَّ تَرَكَ بَغْدَادَ كُلَّهَا هَرَبًا مِنْ هٰذَا الْمُزَيِّنِ، فَإِذَا بِهِ يَلْقَاهُ فِي هٰذِهِ الْوَلِيمَةِ بِالذَّاتِ.
فَضَحِكَ الْمُزَيِّنُ وَقَالَ لِلْحَاضِرِينَ: «لَوْلَا حِرْصِي عَلَيْهِ لَهَلَكَ هٰذَا الشَّابُّ فِي تِلْكَ الدَّارِ، وَهٰذَا جَزَائِي!»
ثُمَّ انْطَلَقَ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ إِخْوَتِهِ السِّتَّةِ، فَفَهِمُوا عِنْدَئِذٍ لِمَاذَا هَرَبَ الشَّابُّ.