فِي آخِرِ زُقَاقٍ ضَيِّقٍ مِنْ أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ، حَيْثُ تَمِيلُ الْبُيُوتُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ كَأَنَّهَا تَتَهَامَسُ، يَقُومُ مَقْهًى لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهِ شَيْءٌ مُنْذُ نِصْفِ قَرْنٍ.
تَدْخُلُهُ فَتَسْتَقْبِلُكَ رَائِحَةُ الْبُنِّ الْمُحَمَّصِ مَمْزُوجَةً بِدُخَانِ النَّرَاجِيلِ وَعِطْرِ الْهَيْلِ.
الْجُدْرَانُ مُعْتِمَةٌ مِنْ أَثَرِ السِّنِينَ، تُزَيِّنُهَا صُوَرٌ بَاهِتَةٌ لِمُطْرِبِينَ رَحَلُوا، وَسَاعَةٌ كَبِيرَةٌ تَوَقَّفَتْ عَقَارِبُهَا عِنْدَ الرَّابِعَةِ مُنْذُ زَمَنٍ لَا يَذْكُرُهُ أَحَدٌ.
وَالْكَرَاسِيُّ الْخَشَبِيَّةُ الْقَصِيرَةُ مُصْطَفَّةٌ حَوْلَ طَاوِلَاتٍ مِنَ الرُّخَامِ، تَشَقَّقَتْ سُطُوحُهَا مِنْ كَثْرَةِ مَا ضَرَبَ عَلَيْهَا اللَّاعِبُونَ أَحْجَارَ النَّرْدِ.
وَفِي الزَّاوِيَةِ يَجْلِسُ أَبُو سَلِيمٍ، صَاحِبُ الْمَقْهَى، خَلْفَ مَوْقِدٍ نُحَاسِيٍّ، يُحَرِّكُ الْقَهْوَةَ فِي الرَّكْوَةِ بِبُطْءٍ، كَأَنَّ الزَّمَنَ نَفْسَهُ يَنْتَظِرُ إِذْنَهُ.
وَحَوْلَهُ زَبَائِنُ يَعْرِفُهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا: الْمُعَلِّمُ الْمُتَقَاعِدُ الَّذِي يَقْرَأُ الْجَرِيدَةَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، وَالْخَيَّاطُ الَّذِي لَا يَخْسَرُ دَوْرًا فِي النَّرْدِ إِلَّا اتَّهَمَ الزَّهْرَ بِالْغِشِّ.
وَفِي الْمَسَاءِ يَصْعَدُ الْحَكَوَاتِيُّ إِلَى كُرْسِيِّهِ الْعَالِي، وَيَفْتَحُ كِتَابًا اصْفَرَّتْ أَوْرَاقُهُ، فَيَسْكُتُ الْجَمِيعُ.
ثُمَّ يَرْوِي بِصَوْتٍ يَعْلُو وَيَنْخَفِضُ حِكَايَاتِ عَنْتَرَةَ وَالظَّاهِرِ بَيْبَرْسَ، وَيَضْرِبُ الطَّاوِلَةَ بِعَصَاهُ فِي لَحَظَاتِ الْقِتَالِ، فَيَحْبِسُ السَّامِعُونَ أَنْفَاسَهُمْ.
وَكَثِيرًا مَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ لَحْظَةٍ حَرِجَةٍ، وَالْبَطَلُ فِي قَبْضَةِ أَعْدَائِهِ، فَيُغْلِقُ الْكِتَابَ وَيَقُولُ: «وَلِلْحِكَايَةِ بَقِيَّةٌ غَدًا».
فَيَخْرُجُ النَّاسُ مُتَذَمِّرِينَ ضَاحِكِينَ، وَيَعُودُونَ فِي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ قَبْلَ مَوْعِدِهِمْ.
يَقُولُ الشَّبَابُ إِنَّ هٰذَا الْمَقْهَى مِنْ بَقَايَا زَمَنٍ مَضَى، وَإِنَّ الْمَقَاهِيَ الْحَدِيثَةَ بِأَضْوَائِهَا وَشَاشَاتِهَا أَكْثَرُ رَاحَةً.
وَقَدْ يَكُونُونَ عَلَى حَقٍّ، لٰكِنَّ مَنْ جَلَسَ هُنَا سَاعَةً يَعْرِفُ أَنَّ الْمَقْهَى الْقَدِيمَ لَا يَبِيعُ الْقَهْوَةَ فَحَسْبُ، بَلْ يَبِيعُ شَيْئًا أَنْدَرَ مِنْهَا: وَقْتًا لَا يَسْتَعْجِلُكَ، وَوُجُوهًا تَعْرِفُ اسْمَكَ.
وَحِينَ يُطْفِئُ أَبُو سَلِيمٍ الْقَنَادِيلَ آخِرَ اللَّيْلِ، يَبْقَى فِي الزُّقَاقِ صَدَى الضَّحِكَاتِ وَرَائِحَةُ الْبُنِّ، كَأَنَّ الْمَقْهَى لَا يَنَامُ أَبَدًا.