تُعَدُّ السِّيَاحَةُ مَصْدَرًا مُهِمًّا لِلدَّخْلِ فِي بُلْدَانٍ عَرَبِيَّةٍ كَثِيرَةٍ، فَهِيَ تُوَفِّرُ فُرَصَ عَمَلٍ لِأَعْدَادٍ كَبِيرَةٍ مِنَ النَّاسِ، مِنْ عُمَّالِ الْفَنَادِقِ وَالْمَطَاعِمِ إِلَى الْحِرَفِيِّينَ وَالْأَدِلَّاءِ.
وَكَثِيرٌ مِنَ السُّيَّاحِ لَا يَأْتُونَ مِنْ أَجْلِ الشَّمْسِ وَالْبَحْرِ فَقَطْ، بَلْ لِيَرَوْا آثَارَ حَضَارَاتٍ عَرِيقَةٍ: أَهْرَامَ الْجِيزَةِ، وَمَدِينَةَ الْبَتْرَاءِ الْوَرْدِيَّةَ، وَأَسْوَاقَ فَاسَ وَدِمَشْقَ الْقَدِيمَةَ.
وَيَحْمِلُ هٰؤُلَاءِ السُّيَّاحُ مَعَهُمْ أَمْوَالًا تُنْعِشُ الْأَسْوَاقَ وَالْفَنَادِقَ وَالْمَطَاعِمَ، وَتُسَاعِدُ عَلَى تَرْمِيمِ الْآثَارِ نَفْسِهَا.
غَيْرَ أَنَّ هٰذِهِ النِّعْمَةَ قَدْ تَنْقَلِبُ نِقْمَةً إِذَا غَابَ التَّخْطِيطُ.
فَالْأَعْدَادُ الْكَبِيرَةُ مِنَ الزُّوَّارِ تُرْهِقُ الْمَوَاقِعَ الْأَثَرِيَّةَ: تَتَآكَلُ الْحِجَارَةُ تَحْتَ الْأَقْدَامِ، وَتَمْتَلِئُ الْأَزِقَّةُ الضَّيِّقَةُ بِالْحَافِلَاتِ وَالضَّجِيجِ.
وَفِي بَعْضِ الْمُدُنِ الْقَدِيمَةِ تَحَوَّلَتْ دَكَاكِينُ النَّحَّاسِينَ وَالنَّسَّاجِينَ إِلَى مَحَلَّاتٍ تَبِيعُ تُحَفًا رَخِيصَةً صُنِعَتْ فِي مَصَانِعَ بَعِيدَةٍ.
وَيَشْكُو السُّكَّانُ مِنِ ارْتِفَاعِ الْإِيجَارَاتِ، فَيَتْرُكُونَ بُيُوتَ أَجْدَادِهِمْ لِتَصِيرَ فَنَادِقَ صَغِيرَةً، فَتَفْقِدُ الْمَدِينَةُ رُوحَهَا وَإِنْ حَافَظَتْ عَلَى جُدْرَانِهَا.
وَمِنْ هُنَا ظَهَرَ مَفْهُومُ «السِّيَاحَةِ الْمُسْتَدَامَةِ»، الَّتِي تَسْعَى إِلَى أَنْ يَسْتَفِيدَ الْجِيلُ الْحَاضِرُ مِنَ التُّرَاثِ دُونَ أَنْ يُفْسِدَهُ عَلَى الْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ.
وَمِنْ وَسَائِلِهَا تَحْدِيدُ عَدَدِ الزُّوَّارِ فِي الْيَوْمِ، وَتَوْزِيعُهُمْ عَلَى فُصُولِ السَّنَةِ، وَتَخْصِيصُ جُزْءٍ مِنْ ثَمَنِ التَّذَاكِرِ لِلتَّرْمِيمِ.
وَمِنْهَا كَذٰلِكَ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْمَكَانِ شُرَكَاءَ حَقِيقِيِّينَ، فَيَعْمَلُوا أَدِلَّاءَ، وَيُقَدِّمُوا طَعَامَهُمْ وَحِرَفَهُمْ، وَيَرْوُوا تَارِيخَهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ.
وَقَدْ أَدْرَكَتْ بَعْضُ الْبُلْدَانِ ذٰلِكَ، فَصَارَتْ تُشَجِّعُ الْإِقَامَةَ فِي بُيُوتِ الضِّيَافَةِ الرِّيفِيَّةِ، وَالْمَشْيَ عَلَى دُرُوبٍ تَمُرُّ بِالْقُرَى، بَدَلًا مِنَ الْجَوْلَاتِ السَّرِيعَةِ بِالْحَافِلَاتِ.
وَلِلسَّائِحِ أَيْضًا دَوْرٌ لَا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً: أَنْ يَحْتَرِمَ عَادَاتِ الْبَلَدِ، وَأَلَّا يَلْمِسَ النُّقُوشَ أَوْ يَأْخُذَ حَجَرًا تِذْكَارًا، وَأَنْ يَشْتَرِيَ مِنَ الصُّنَّاعِ الْمَحَلِّيِّينَ.
فَالتُّرَاثُ لَيْسَ حِجَارَةً صَامِتَةً، بَلْ ذَاكِرَةٌ حَيَّةٌ نَحْمِلُهَا جَمِيعًا، وَإِذَا ضَاعَتْ لَمْ يَسْتَطِعْ مَالُ الدُّنْيَا أَنْ يُعِيدَهَا.