حِينَ أَسَّسَ الْخَلِيفَةُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ مَدِينَةَ بَغْدَادَ سَنَةَ ٧٦٢، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَوَقَّعُ أَنَّهَا سَتَصِيرُ بَعْدَ عُقُودٍ قَلِيلَةٍ مِنْ أَكْبَرِ مَرَاكِزِ الْعِلْمِ فِي الْعَالَمِ.
وَكَانَتْ وَرَاءَ ذٰلِكَ حَرَكَةٌ وَاسِعَةٌ لِنَقْلِ عُلُومِ الْأُمَمِ الْأُخْرَى إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، اسْتَمَرَّتْ نَحْوَ قَرْنَيْنِ مِنَ الزَّمَانِ.
فَقَدْ تُرْجِمَتْ كُتُبٌ يُونَانِيَّةٌ فِي الطِّبِّ وَالْفَلْسَفَةِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ، وَكُتُبٌ فَارِسِيَّةٌ فِي الْأَدَبِ وَالسِّيَاسَةِ، وَكُتُبٌ هِنْدِيَّةٌ فِي الْحِسَابِ وَالْفَلَكِ.
وَمِنْ أَشْهَرِ مَا نُقِلَ مُؤَلَّفَاتُ أَرِسْطُو وَجَالِينُوسَ، وَكِتَابُ «الْأُصُولِ» لِإِقْلِيدِسَ فِي الْهَنْدَسَةِ، وَ«الْمَجِسْطِي» لِبَطْلَيْمُوسَ فِي الْفَلَكِ.
وَقَدْ أَوْلَى الْخُلَفَاءُ هٰذِهِ الْحَرَكَةَ عِنَايَةً كَبِيرَةً، وَلَا سِيَّمَا الْمَأْمُونُ، الَّذِي كَانَ يُرْسِلُ الْبَعَثَاتِ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ لِلْبَحْثِ عَنِ الْمَخْطُوطَاتِ.
وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي الْمُتَرْجِمَ ذَهَبًا بِوَزْنِ مَا يُتَرْجِمُهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ يَشُكُّونَ فِي هٰذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَلَمْ يَكُنِ الْمُتَرْجِمُونَ كُلُّهُمْ عَرَبًا مُسْلِمِينَ، بَلْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِنَ السُّرْيَانِ الْمَسِيحِيِّينَ الَّذِينَ يُتْقِنُونَ الْيُونَانِيَّةَ وَالسُّرْيَانِيَّةَ وَالْعَرَبِيَّةَ.
وَأَشْهَرُهُمْ حُنَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ، الطَّبِيبُ الَّذِي نَقَلَ عَشَرَاتِ الْكُتُبِ، وَكَانَ يَجْمَعُ لِلْكِتَابِ الْوَاحِدِ عِدَّةَ نُسَخٍ وَيُقَارِنُ بَيْنَهَا قَبْلَ أَنْ يُتَرْجِمَهُ.
وَكَانَ يُفَضِّلُ أَنْ يَنْقُلَ الْمَعْنَى كَامِلًا بِعِبَارَةٍ عَرَبِيَّةٍ سَلِيمَةٍ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يُتَرْجِمَ كَلِمَةً بِكَلِمَةٍ.
وَلَمْ يَقِفِ الْعُلَمَاءُ عِنْدَ حُدُودِ النَّقْلِ، بَلْ شَرَحُوا مَا تَرْجَمُوهُ وَنَاقَشُوهُ وَصَحَّحُوا بَعْضَ أَخْطَائِهِ، وَأَضَافُوا إِلَيْهِ مِنْ تَجَارِبِهِمْ.
وَهٰكَذَا وُلِدَتْ عُلُومٌ جَدِيدَةٌ، كَعِلْمِ الْجَبْرِ، وَازْدَهَرَتْ عُلُومٌ أُخْرَى كَالطِّبِّ وَالْفَلَكِ.
وَسَاعَدَ عَلَى ذٰلِكَ انْتِشَارُ صِنَاعَةِ الْوَرَقِ فِي بَغْدَادَ، فَقَدْ صَارَ الْكِتَابُ أَرْخَصَ وَأَيْسَرَ مِنْ ذِي قَبْلُ.
وَبَعْدَ قُرُونٍ، عَادَ هٰذَا التُّرَاثُ، وَقَدْ أَغْنَاهُ الْعُلَمَاءُ الْعَرَبُ وَالْمُسْلِمُونَ، إِلَى أُورُوبَّا، فَتُرْجِمَ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى اللَّاتِينِيَّةِ فِي طُلَيْطِلَةَ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ نَهْضَتِهَا.
فَالتَّرْجَمَةُ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا عَمَلًا آلِيًّا، بَلْ كَانَتْ جِسْرًا تَعْبُرُ عَلَيْهِ الْأَفْكَارُ مِنْ أُمَّةٍ إِلَى أُمَّةٍ، فَتَتَغَيَّرُ فِي الطَّرِيقِ وَتَنْمُو.