فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ قُرَى دِلْتَا النِّيلِ، وُلِدَتْ لِأُسْرَةٍ فَقِيرَةٍ طِفْلَةٌ سَيَعْرِفُهَا الْعَالَمُ الْعَرَبِيُّ كُلُّهُ بِاسْمِ أُمِّ كُلْثُومٍ، وَلَا يَعْرِفُ الْمُؤَرِّخُونَ سَنَةَ مِيلَادِهَا عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ.
كَانَ أَبُوهَا إِمَامَ مَسْجِدِ الْقَرْيَةِ، وَكَانَ يُنْشِدُ الْقَصَائِدَ الدِّينِيَّةَ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْمُنَاسَبَاتِ لِيَزِيدَ دَخْلَهُ الْقَلِيلَ.
وَتَعَلَّمَتْ فِي كُتَّابِ الْقَرْيَةِ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ، فَاسْتَقَامَ لِسَانُهَا، وَتَعَوَّدَتْ أُذُنُهَا عَلَى جَمَالِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَكَانَ الْأَبُ يُعَلِّمُ ابْنَهُ الْإِنْشَادَ، فَحَفِظَتِ الصَّغِيرَةُ الْأَلْحَانَ وَهِيَ تَسْتَمِعُ إِلَيْهِمَا مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ.
فَلَمَّا سَمِعَ أَبُوهَا صَوْتَهَا، دُهِشَ مِنْ قُوَّتِهِ وَصَفَائِهِ، فَضَمَّهَا إِلَى فِرْقَتِهِ الصَّغِيرَةِ.
وَلِأَنَّ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُونُوا يَتَقَبَّلُونَ أَنْ تُغَنِّيَ فَتَاةٌ أَمَامَ الْجُمْهُورِ، أَلْبَسَهَا ثِيَابَ الْفِتْيَانِ.
وَفِي الْعِشْرِينِيَّاتِ انْتَقَلَتِ الْأُسْرَةُ إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَهُنَاكَ دَرَسَتِ الْمُوسِيقَى وَالشِّعْرَ، وَتَعَرَّفَتْ إِلَى كِبَارِ الشُّعَرَاءِ وَالْمُلَحِّنِينَ.
وَمِنْ أَشْهَرِ مَنْ عَمِلَتْ مَعَهُمُ الشَّاعِرُ أَحْمَدُ رَامِي، وَالْمُلَحِّنُونَ مُحَمَّدٌ الْقَصَبْجِيُّ وَزَكَرِيَّا أَحْمَدُ وَرِيَاضٌ السُّنْبَاطِيُّ.
وَكَانَتْ حَفْلَتُهَا فِي أَوَّلِ خَمِيسٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ حَدَثًا يَنْتَظِرُهُ النَّاسُ، إِذْ كَانَتِ الْإِذَاعَةُ تَنْقُلُهَا عَلَى الْهَوَاءِ إِلَى الْبُيُوتِ وَالْمَقَاهِي مِنَ الْمُحِيطِ إِلَى الْخَلِيجِ.
وَكَانَتِ الْأُغْنِيَةُ الْوَاحِدَةُ تَمْتَدُّ أَحْيَانًا سَاعَةً أَوْ أَكْثَرَ، لِأَنَّ الْجُمْهُورَ كَانَ يَطْلُبُ مِنْهَا أَنْ تُعِيدَ الْمَقْطَعَ مَرَّاتٍ، فَتُعِيدُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِطَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ.
وَلُقِّبَتْ «كَوْكَبَ الشَّرْقِ»، وَصَارَ صَوْتُهَا يَجْمَعُ الْعَرَبَ عَلَى اخْتِلَافِ بُلْدَانِهِمْ وَلَهَجَاتِهِمْ.
وَبَعْدَ حَرْبِ ١٩٦٧ جَابَتْ عَوَاصِمَ عَرَبِيَّةً وَأَجْنَبِيَّةً، مِنْهَا بَارِيسُ، وَتَبَرَّعَتْ بِدَخْلِ حَفَلَاتِهَا لِبَلَدِهَا مِصْرَ.
وَحِينَ تُوُفِّيَتْ فِي الْقَاهِرَةِ سَنَةَ ١٩٧٥، خَرَجَ مَلَايِينُ النَّاسِ فِي جِنَازَتِهَا، فِي مَشْهَدٍ قَلَّمَا عَرَفَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَهُ.
وَمَا زَالَتْ تَسْجِيلَاتُهَا تُذَاعُ حَتَّى الْيَوْمِ، وَمَا زَالَ صَوْتُهَا يَصْدَحُ فِي سَيَّارَاتِ الْأُجْرَةِ وَالْمَقَاهِي الْقَدِيمَةِ، كَأَنَّ الزَّمَنَ لَمْ يَمْضِ.