حِينَ نَقْرَأُ تَارِيخَ الْعِلْمِ فِي الْحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، تَطْغَى عَلَيْهِ أَسْمَاءُ الرِّجَالِ، حَتَّى يَظُنَّ الْقَارِئُ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ غَائِبَاتٍ عَنْهُ.
لٰكِنَّ كُتُبَ التَّرَاجِمِ تَرْسُمُ صُورَةً أُخْرَى، فَفِيهَا أَسْمَاءُ آلَافِ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي رَوَيْنَ الْحَدِيثَ، وَدَرَّسْنَ، وَأَجَزْنَ كِبَارَ الْعُلَمَاءِ.
وَفِي مُقَدِّمَتِهِنَّ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، زَوْجُ النَّبِيِّ، الَّتِي رَوَتْ عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ.
وَفِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ لِلْهِجْرَةِ أَسَّسَتْ فَاطِمَةُ الْفِهْرِيَّةُ جَامِعَ الْقَرَوِيِّينَ فِي فَاسَ، الَّذِي صَارَ مِنْ أَعْرَقِ مَرَاكِزِ التَّعْلِيمِ فِي الْعَالَمِ.
وَفِي الْقَرْنِ الْخَامِسِ اشْتُهِرَتْ كَرِيمَةُ الْمَرْوَزِيَّةُ فِي مَكَّةَ بِرِوَايَةِ «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ»، فَكَانَ طُلَّابُ الْعِلْمِ يَرْحَلُونَ إِلَيْهَا مِنْ بُلْدَانٍ بَعِيدَةٍ لِيَسْمَعُوهُ مِنْهَا.
وَمِنْ أَشْهَرِ عَالِمَاتِ بَغْدَادَ شُهْدَةُ بِنْتُ الْإِبَرِيِّ، الَّتِي لُقِّبَتْ «فَخْرَ النِّسَاءِ»، وَجَمَعَتْ بَيْنَ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَجَمَالِ الْخَطِّ، وَازْدَحَمَ عَلَى مَجْلِسِهَا الطُّلَّابُ.
وَلَمْ يَكُنْ غَرِيبًا أَنْ يَذْكُرَ عَالِمٌ كَبِيرٌ نِسَاءً بَيْنَ شُيُوخِهِ، فَابْنُ عَسَاكِرَ، مُؤَرِّخُ دِمَشْقَ، أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ عَشَرَاتِ النِّسَاءِ.
وَلَمْ يَقْتَصِرْ دَوْرُ الْمَرْأَةِ عَلَى التَّعْلِيمِ، فَقَدْ كَانَتْ نِسَاءٌ مُوسِرَاتٌ يُنْفِقْنَ أَمْوَالَهُنَّ عَلَى بِنَاءِ الْمَدَارِسِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْمُسْتَشْفَيَاتِ، وَيَقِفْنَ عَلَيْهَا الْأَوْقَافَ.
وَصَحِيحٌ أَنَّ أَبْوَابَ التَّعَلُّمِ لَمْ تَكُنْ مَفْتُوحَةً لِكُلِّ النِّسَاءِ، وَأَنَّ أَكْثَرَ الْعَالِمَاتِ جِئْنَ مِنْ أُسَرٍ عِلْمِيَّةٍ، يُعَلِّمُ فِيهَا الْآبَاءُ بَنَاتِهِمْ مُنْذُ الصِّغَرِ.
وَلٰكِنَّ هٰذِهِ الْأَسْمَاءَ تَكْفِي لِتَصْحِيحِ صُورَةٍ شَائِعَةٍ، وَلِتُذَكِّرَنَا بِأَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ كَانَ فِي هٰذَا التُّرَاثِ وَاجِبًا عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَعًا.
بَلْ إِنَّ الْإِمَامَ الذَّهَبِيَّ، وَهُوَ مِنْ أَشَدِّ النُّقَّادِ عِنَايَةً بِأَحْوَالِ الرُّوَاةِ، ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ امْرَأَةً مِنْ رَاوِيَاتِ الْحَدِيثِ اتُّهِمَتْ بِالْكَذِبِ.
وَقَدِ اهْتَمَّ الْبَاحِثُونَ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ بِجَمْعِ أَخْبَارِ هٰؤُلَاءِ الْعَالِمَاتِ، فَظَهَرَتْ كُتُبٌ وَمَوْسُوعَاتٌ تَحْكِي سِيَرَهُنَّ، وَتُعِيدُ إِلَيْهِنَّ مَكَانَهُنَّ فِي التَّارِيخِ.