فِي عَامِ ٢٠٠٧ تَقْرِيبًا تَجَاوَزَ عَدَدُ سُكَّانِ الْمُدُنِ فِي الْعَالَمِ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي التَّارِيخِ، عَدَدَ سُكَّانِ الرِّيفِ.
وَتُقَدِّرُ الْأُمَمُ الْمُتَّحِدَةُ أَنَّ نَحْوَ سَبْعَةٍ مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ أَشْخَاصٍ سَيَعِيشُونَ فِي الْمُدُنِ بِحُلُولِ عَامِ ٢٠٥٠.
غَيْرَ أَنَّ هٰذَا النُّمُوَّ لَيْسَ مُتَسَاوِيًا، فَأَكْثَرُهُ يَحْدُثُ الْيَوْمَ فِي آسِيَا وَإِفْرِيقِيَا، حَيْثُ تَتَضَاعَفُ أَحْجَامُ بَعْضِ الْمُدُنِ فِي جِيلٍ وَاحِدٍ، بِسُرْعَةٍ تَفُوقُ قُدْرَةَ الدَّوْلَةِ عَلَى التَّخْطِيطِ لَهَا.
وَأَسْبَابُ هٰذِهِ الْهِجْرَةِ مَعْرُوفَةٌ: فَالرِّيفُ يُعَانِي قِلَّةَ الْعَمَلِ وَضَعْفَ الْخَدَمَاتِ، وَقَدْ زَادَ الْجَفَافُ وَتَغَيُّرُ الْمُنَاخِ الزِّرَاعَةَ صُعُوبَةً، بَيْنَمَا تَبْدُو الْمَدِينَةُ وَعْدًا بِالْوَظِيفَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالْمُسْتَشْفَى.
لٰكِنَّ الْمَدِينَةَ الَّتِي تَنْمُو أَسْرَعَ مِنْ طُرُقِهَا وَمَدَارِسِهَا وَشَبَكَاتِ مِيَاهِهَا تَدْفَعُ ثَمَنًا بَاهِظًا.
فَحِينَ لَا يَجِدُ الْقَادِمُونَ الْجُدُدُ مَسْكَنًا يَقْدِرُونَ عَلَى ثَمَنِهِ، يَبْنُونَ بِأَيْدِيهِمْ أَحْيَاءً عَشْوَائِيَّةً عَلَى أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ، بِلَا تَخْطِيطٍ وَلَا صَرْفٍ صِحِّيٍّ، وَأَحْيَانًا بِلَا عُنْوَانٍ رَسْمِيٍّ.
وَيَعِيشُ الْيَوْمَ أَكْثَرُ مِنْ مِلْيَارِ إِنْسَانٍ فِي مِثْلِ هٰذِهِ الْأَحْيَاءِ حَوْلَ الْعَالَمِ.
وَتَعْجِزُ شَبَكَاتُ الْمِيَاهِ وَالصَّرْفِ الْقَدِيمَةُ عَنْ خِدْمَةِ أَضْعَافِ مَنْ صُمِّمَتْ لَهُمْ، فَتَنْتَشِرُ الْأَمْرَاضُ حَيْثُ يَزْدَحِمُ النَّاسُ.
ثُمَّ يَأْتِي الزِّحَامُ الْخَانِقُ، فَقَدْ يَقْضِي الْعَامِلُ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ فِي الطَّرِيقِ بَيْنَ بَيْتِهِ وَعَمَلِهِ، يَتَنَفَّسُ هَوَاءً مُلَوَّثًا، ثُمَّ يَعُودُ مُتْعَبًا إِلَى حَيٍّ يَنْقَطِعُ فِيهِ الْمَاءُ وَالْكَهْرَبَاءُ.
وَتَزِيدُ الْخَرَسَانَةُ وَالْأَسْفَلْتُ مِنْ حَرَارَةِ الْمُدُنِ، فَتَصِيرُ فِي الصَّيْفِ أَشَدَّ حَرًّا مِنَ الرِّيفِ الْمُحِيطِ بِهَا، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ يُسَمِّيهَا الْعُلَمَاءُ «الْجُزُرَ الْحَرَارِيَّةَ».
وَمَعَ ذٰلِكَ فَإِنَّ الْمُدُنَ لَيْسَتْ مُشْكِلَةً فِي ذَاتِهَا، فَهِيَ مُحَرِّكُ الِاقْتِصَادِ وَمَوْطِنُ الْأَفْكَارِ الْجَدِيدَةِ، وَإِنَّمَا الْمُشْكِلَةُ أَنْ تَنْمُوَ بِلَا رُؤْيَةٍ.
وَلَيْسَتْ هٰذِهِ الْمَشَاكِلُ قَدَرًا لَا مَفَرَّ مِنْهُ، فَقَدْ نَجَحَتْ مُدُنٌ كَثِيرَةٌ فِي تَجَاوُزِهَا حِينَ خَطَّطَتْ لِنُمُوِّهَا مُبَكِّرًا.
وَيَقْتَرِحُ خُبَرَاءُ التَّخْطِيطِ حُلُولًا عِدَّةً، مِنْهَا أَنْ تُمَدَّ شَبَكَاتُ النَّقْلِ الْعَامِّ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى الْأَحْيَاءُ لَا بَعْدَهَا، وَأَنْ تُحَسَّنَ الْأَحْيَاءُ الْعَشْوَائِيَّةُ الْقَائِمَةُ بَدَلًا مِنْ هَدْمِهَا، وَأَنْ تُتْرَكَ فِي الْمُدُنِ مَسَاحَاتٌ خَضْرَاءُ تُلَطِّفُ هَوَاءَهَا.
كَمَا يَدْعُو بَعْضُهُمْ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِالْمُدُنِ الصَّغِيرَةِ وَالْمُتَوَسِّطَةِ، حَتَّى لَا تَكُونَ الْعَاصِمَةُ هِيَ الْبَابَ الْوَحِيدَ لِلْأَمَلِ.
فَالسُّؤَالُ الْيَوْمَ لَيْسَ: هَلْ تَنْمُو الْمُدُنُ؟ فَهِيَ سَتَنْمُو حَتْمًا، وَإِنَّمَا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا تَنْمُو وَتَبْقَى صَالِحَةً لِلْحَيَاةِ؟