لَمْ تَكُنِ الصَّحْرَاءُ فِي الشِّعْرِ الْجَاهِلِيِّ مُجَرَّدَ مَكَانٍ تَجْرِي فِيهِ الْأَحْدَاثُ، بَلْ كَانَتْ عَالَمًا كَامِلًا لَهُ قَوَانِينُهُ وَأَخْلَاقُهُ وَأَصْوَاتُهُ.
وَقَدْ وَصَلَتْ إِلَيْنَا أَشْهَرُ قَصَائِدِ ذٰلِكَ الْعَصْرِ فِيمَا يُعْرَفُ بِالْمُعَلَّقَاتِ، وَهِيَ تَشْهَدُ بِأَنَّ شُعَرَاءَهَا عَرَفُوا الصَّحْرَاءَ مَعْرِفَةَ مَنْ وُلِدَ فِيهَا وَعَاشَ مَعَ أَخْطَارِهَا.
فَالشَّاعِرُ يَبْدَأُ قَصِيدَتَهُ عَادَةً بِالْوُقُوفِ عَلَى أَطْلَالِ دِيَارٍ رَحَلَ عَنْهَا أَهْلُهَا، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا آثَارٌ تَعْبَثُ بِهَا الرِّيَاحُ، ثُمَّ يَمْضِي فِي رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ عَلَى نَاقَتِهِ عَبْرَ الْفَلَوَاتِ.
وَفِي هٰذِهِ الرِّحْلَةِ تَتَجَلَّى الصَّحْرَاءُ بِوَجْهَيْهَا: فَهِيَ قَاسِيَةٌ مُوحِشَةٌ يَضِلُّ فِيهَا السَّائِرُ وَيَعْطَشُ وَيَخَافُ، وَهِيَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ مَيْدَانٌ يُثْبِتُ فِيهِ الْإِنْسَانُ صَبْرَهُ وَشَجَاعَتَهُ.
وَقَدْ وَصَفَ الشُّعَرَاءُ نُوقَهُمْ وَصْفًا دَقِيقًا، فَشَبَّهُوهَا فِي قُوَّتِهَا وَسُرْعَتِهَا بِالثَّوْرِ الْوَحْشِيِّ وَالنَّعَامَةِ، وَرَسَمُوا حَيَوَانَ الصَّحْرَاءِ، مِنَ الظِّبَاءِ وَالْمَهَا إِلَى الذِّئَابِ، كَأَنَّهُمْ عُلَمَاءُ يَرْصُدُونَ الطَّبِيعَةَ.
وَعَرَفُوا النُّجُومَ الَّتِي يَهْتَدِي بِهَا السَّائِرُ لَيْلًا، وَمَوَاضِعَ الْمَاءِ الَّتِي قَدْ تَعْنِي الْحَيَاةَ أَوِ الْمَوْتَ.
أَمَّا اللَّيْلُ فَلَهُ فِي هٰذَا الشِّعْرِ حُضُورٌ خَاصٌّ، كَمَا فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ فِي مُعَلَّقَتِهِ: «وَلَيْلٍ كَمَوْجِ الْبَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ، عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الْهُمُومِ لِيَبْتَلِي».
فَاللَّيْلُ هُنَا لَيْسَ ظُلْمَةً فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا هُوَ امْتِحَانٌ لِلنَّفْسِ، وَاللَّافِتُ أَنَّ ابْنَ الصَّحْرَاءِ يَسْتَعِيرُ لَهُ صُورَةَ الْبَحْرِ، كَأَنَّ الِاتِّسَاعَ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا.
وَتَبْلُغُ الصِّلَةُ بَيْنَ الشَّاعِرِ وَالصَّحْرَاءِ ذِرْوَتَهَا عِنْدَ الشُّعَرَاءِ الصَّعَالِيكِ، كَتَأَبَّطَ شَرًّا وَالشَّنْفَرَى، الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى قَبَائِلِهِمْ وَعَاشُوا فِي الْفَلَاةِ وَحْدَهُمْ.
فَالشَّنْفَرَى يُعْلِنُ فِي «لَامِيَّةِ الْعَرَبِ» أَنَّهُ اسْتَبْدَلَ بِقَوْمِهِ أَهْلًا آخَرِينَ، فَيَقُولُ: «وَلِي دُونَكُمْ أَهْلُونَ سِيدٌ عَمَلَّسٌ، وَأَرْقَطُ زُهْلُولٌ وَعَرْفَاءُ جَيْأَلُ».
فَالذِّئْبُ وَالنَّمِرُ وَالضَّبُعُ أَوْفَى عِنْدَهُ مِنَ الْبَشَرِ، لِأَنَّهَا لَا تُفْشِي سِرًّا وَلَا تَخْذُلُ صَاحِبَهَا.
وَهٰكَذَا لَمْ تَكُنِ الصَّحْرَاءُ خَلْفِيَّةً لِلْقَصِيدَةِ، بَلْ كَانَتْ مَدْرَسَتَهَا الْأُولَى: مِنْهَا أَخَذَتْ صُوَرَهَا وَمُعْجَمَهَا، وَمِنْ إِيقَاعِ سَيْرِ الْإِبِلِ، كَمَا يَرَى بَعْضُ الدَّارِسِينَ، أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ أَوْزَانِهَا.
وَمَا زَالَ الْقَارِئُ الْيَوْمَ، وَهُوَ فِي مَدِينَتِهِ الْمُضَاءَةِ، يَشْعُرُ حِينَ يَقْرَأُ هٰذَا الشِّعْرَ بِرِيحِ الْفَلَاةِ تَهُبُّ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِ السُّطُورِ.