أَيُّهَا الْخِرِّيجُونَ وَالْخِرِّيجَاتُ، أَيُّهَا الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ، أَيُّهَا الْأَسَاتِذَةُ الْكِرَامُ:
يُسْعِدُنِي أَنْ أَقِفَ الْيَوْمَ فِي هٰذِهِ الْقَاعَةِ الَّتِي جَلَسْتُ فِيهَا قَبْلَ ثَلَاثِينَ عَامًا حَيْثُ تَجْلِسُونَ الْآنَ، أَنْتَظِرُ مِثْلَكُمْ أَنْ يُنَادَى اسْمِي، وَأَتَسَاءَلُ مِثْلَكُمْ: وَمَاذَا بَعْدُ؟
وَأَعْتَرِفُ لَكُمْ بِأَنَّنِي لَمْ أَسْمَعْ يَوْمَهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً مِمَّا قَالَهُ الْخَطِيبُ، لِأَنَّنِي كُنْتُ أَبْحَثُ بِعَيْنَيَّ عَنْ أُمِّي بَيْنَ الْحُضُورِ، فَلَا تَقْلَقُوا إِنْ نَسِيتُمْ كَلِمَتِي هٰذِهِ غَدًا.
لَنْ أُثْقِلَ عَلَيْكُمْ بِالنَّصَائِحِ، فَقَدْ سَمِعْتُمْ مِنْهَا مَا يَكْفِي، وَلٰكِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ تَمَنَّيْتُ لَوْ عَرَفْتُهَا فِي مِثْلِ يَوْمِكُمْ هٰذَا.
أَوَّلُهَا أَنَّ الشَّهَادَةَ الَّتِي تَحْمِلُونَهَا الْيَوْمَ لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى أَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ، بَلْ عَلَى أَنَّكُمْ تَعَلَّمْتُمْ كَيْفَ تَتَعَلَّمُونَ.
فَكَثِيرٌ مِمَّا دَرَسْتُهُ فِي كُلِّيَّةِ الطِّبِّ قَدْ تَغَيَّرَ أَوْ ثَبَتَ خَطَؤُهُ، وَلَمْ يَبْقَ مَعِي مِنْ تِلْكَ السَّنَوَاتِ إِلَّا عَادَةُ السُّؤَالِ وَالصَّبْرُ عَلَى الْبَحْثِ.
وَثَانِيهَا أَنَّ الْفَشَلَ لَيْسَ نَقِيضَ النَّجَاحِ، وَإِنَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِنْهُ.
فَقَدْ رَسَبْتُ فِي امْتِحَانِ التَّخَصُّصِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَظَنَنْتُ يَوْمَهَا أَنَّ الْعَالَمَ قَدِ انْتَهَى، ثُمَّ اكْتَشَفْتُ أَنَّ تِلْكَ السَّنَةَ الْإِضَافِيَّةَ عَلَّمَتْنِي مِنَ التَّوَاضُعِ مَا لَمْ يُعَلِّمْنِي إِيَّاهُ أَيُّ نَجَاحٍ.
فَتَذَكَّرُوا، حِينَ تَتَعَثَّرُونَ، أَنَّ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ تَمَامًا لَا يُوجَدُ إِلَّا عَلَى الْخَرَائِطِ.
وَالَّذِينَ لَمْ يَسْقُطُوا قَطُّ هُمْ فِي الْغَالِبِ الَّذِينَ لَمْ يُحَاوِلُوا شَيْئًا صَعْبًا.
وَثَالِثُهَا أَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي لَا يَنْفَعُ النَّاسَ يَبْقَى نَاقِصًا مَهْمَا بَلَغَ.
لَقَدْ تَعَلَّمْتُ مِنْ مَرْضَايَ أَكْثَرَ مِمَّا تَعَلَّمْتُ مِنْ كُتُبِي، فَعَجُوزٌ فِي قَرْيَةٍ نَائِيَةٍ عَلَّمَتْنِي أَنَّ الْإِصْغَاءَ نِصْفُ الْعِلَاجِ، وَأَنَّ الْمَرِيضَ يُرِيدُ أَنْ يُفْهَمَ قَبْلَ أَنْ يُشْفَى.
كَانَتْ تَشْكُو أَلَمًا فِي صَدْرِهَا، فَلَمَّا جَلَسْتُ أَسْتَمِعُ إِلَيْهَا طَوِيلًا عَرَفْتُ أَنَّ أَلَمَهَا الْحَقِيقِيَّ وَحْدَتُهَا بَعْدَ أَنْ سَافَرَ أَبْنَاؤُهَا.
فَأَيًّا كَانَ الطَّرِيقُ الَّذِي سَتَسْلُكُونَهُ، فِي الْمُسْتَشْفَى أَوِ الْمُخْتَبَرِ أَوِ الْمَدْرَسَةِ أَوِ الشَّرِكَةِ، فَاسْأَلُوا أَنْفُسَكُمْ دَائِمًا: مَنِ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِمَا أَعْمَلُ؟
وَأَخِيرًا، فَإِنَّ آبَاءَكُمْ وَأُمَّهَاتِكُمُ الْجَالِسِينَ خَلْفَكُمْ قَدْ دَفَعُوا ثَمَنَ هٰذَا الْيَوْمِ مِنْ أَعْمَارِهِمْ قَبْلَ أَمْوَالِهِمْ، فَالْتَفِتُوا إِلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ تَلْتَفِتُوا إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ.
أُهَنِّئُكُمْ مِنْ قَلْبِي، وَلْيَكُنْ هٰذَا الْيَوْمُ بِدَايَةً لَا نِهَايَةً.