لَمْ يَكُنْ بَيْتُ طُفُولَتِي وَاسِعًا وَلَا جَمِيلًا بِالْمَعْنَى الَّذِي يَفْهَمُهُ الْمُهَنْدِسُونَ، لٰكِنَّهُ كَانَ فِي عَيْنَيَّ أَوْسَعَ مِنَ الْعَالَمِ.
كَانَ بَيْتًا عَرَبِيًّا قَدِيمًا فِي حَيٍّ ضَيِّقٍ، تَدْخُلُهُ مِنْ بَابٍ خَشَبِيٍّ ثَقِيلٍ، فَتَجِدُ نَفْسَكَ فِي فِنَاءٍ مَكْشُوفٍ تَتَوَسَّطُهُ نَافُورَةٌ صَغِيرَةٌ وَشَجَرَةُ لَيْمُونٍ عَجُوزٌ.
وَحَوْلَ الْفِنَاءِ تَصْطَفُّ الْغُرَفُ، وَلِكُلِّ غُرْفَةٍ شَخْصِيَّتُهَا: غُرْفَةُ جَدِّي الْمُعْتِمَةُ الَّتِي تَفُوحُ مِنْهَا رَائِحَةُ الْكُتُبِ وَالْقَهْوَةِ، وَالْمَطْبَخُ الَّذِي لَا تَنْطَفِئُ نَارُهُ، وَالسُّلَّمُ الْحَجَرِيُّ الَّذِي يَصْعَدُ إِلَى سَطْحٍ كُنَّا نَنَامُ عَلَيْهِ فِي لَيَالِي الصَّيْفِ.
هُنَاكَ، عَلَى السَّطْحِ، تَعَلَّمْتُ أَسْمَاءَ النُّجُومِ مِنْ أَبِي، وَتَعَلَّمْتُ مِنْ أُمِّي أَنَّ الصَّمْتَ قَدْ يَكُونُ أَبْلَغَ مِنَ الْكَلَامِ.
وَكَانَتْ أُمِّي تَفْرُشُ لَنَا الْحُصُرَ عَلَى السَّطْحِ، فَنَتَمَدَّدُ عَلَيْهَا وَنَعُدُّ النُّجُومَ حَتَّى يَغْلِبَنَا النُّعَاسُ، وَتَظَلُّ هِيَ سَاهِرَةً تَطْرُدُ عَنَّا الْبَعُوضَ بِمِرْوَحَةٍ مِنَ الْخُوصِ.
وَأَذْكُرُ أَنَّنِي كُنْتُ أَخْتَبِئُ تَحْتَ السُّلَّمِ كُلَّمَا أَخْطَأْتُ، فَأُصْغِي إِلَى أَصْوَاتِ الْبَيْتِ: خَرِيرِ الْمَاءِ فِي النَّافُورَةِ، وَصَوْتِ جَدَّتِي وَهِيَ تُنَادِي الْقِطَّ، وَوَقْعِ أَقْدَامِ أَبِي عِنْدَ عَوْدَتِهِ.
وَكَانَ الْبَيْتُ يُعَاقِبُنِي بِطَرِيقَتِهِ، فَيَتْرُكُنِي هُنَاكَ حَتَّى أَشْعُرَ بِالْوَحْدَةِ، ثُمَّ يَغْفِرُ لِي بِرَائِحَةِ الْخُبْزِ الْخَارِجِ مِنَ الْفُرْنِ.
بِيعَ الْبَيْتُ حِينَ كُنْتُ فِي الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ، بَعْدَ وَفَاةِ جَدِّي، وَانْتَقَلْنَا إِلَى شَقَّةٍ حَدِيثَةٍ فِيهَا كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ إِلَّا الذَّاكِرَةَ.
وَحِينَ زُرْتُ الْحَيَّ بَعْدَ ثَلَاثِينَ عَامًا، وَجَدْتُ مَكَانَ الْبَيْتِ عِمَارَةً مِنْ سِتَّةِ طَوَابِقَ، فِي أَسْفَلِهَا مَحَلٌّ لِبَيْعِ الْهَوَاتِفِ.
وَقَفْتُ عَلَى الرَّصِيفِ أُحَاوِلُ أَنْ أُحَدِّدَ أَيْنَ كَانَتْ شَجَرَةُ اللَّيْمُونِ، فَلَمْ أَسْتَطِعْ، وَشَعَرْتُ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ مَا شَعَرَ بِهِ الشُّعَرَاءُ الْقُدَمَاءُ حِينَ وَقَفُوا عَلَى الْأَطْلَالِ يَسْأَلُونَهَا فَلَا تُجِيبُ.
لٰكِنَّنِي أَدْرَكْتُ، وَأَنَا أَبْتَعِدُ، أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَخْتَفِ تَمَامًا، فَقَدِ انْتَقَلَ إِلَى مَكَانٍ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ الْجَرَّافَاتُ.
فَأَنَا مَا زِلْتُ أَنْزِلُ سُلَّمَهُ فِي أَحْلَامِي، وَمَا زِلْتُ أَقِيسُ كُلَّ بَيْتٍ أَسْكُنُهُ بِمِقْيَاسِهِ: هَلْ فِيهِ ضَوْءٌ يَكْفِي؟ وَهَلْ فِيهِ رُكْنٌ يَصْلُحُ لِلِاخْتِبَاءِ؟
لَقَدْ فَهِمْتُ مُتَأَخِّرًا أَنَّ بَيْتَ الطُّفُولَةِ لَيْسَ مَكَانًا نَسْكُنُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَكَانٌ يَسْكُنُنَا، وَأَنَّنَا نَقْضِي بَقِيَّةَ أَعْمَارِنَا نَبْحَثُ عَنْهُ خَلْفَ كُلِّ بَابٍ نَطْرُقُهُ.