يُسَمِّي الْعَرَبُ لُغَتَهُمْ «لُغَةَ الضَّادِ»، لِأَنَّ الْقُدَمَاءَ ظَنُّوا أَنَّ هٰذَا الصَّوْتَ لَا يُوجَدُ فِي لُغَةٍ سِوَاهَا.
وَمِنَ الْمُفَارَقَاتِ الطَّرِيفَةِ أَنَّ الضَّادَ الَّتِي وَصَفَهَا سِيبَوَيْهِ فِي الْقَرْنِ الثَّامِنِ لِلْمِيلَادِ لَمْ تَكُنْ عَلَى الْأَرْجَحِ هِيَ الضَّادَ الَّتِي نَنْطِقُهَا الْيَوْمَ؛ فَقَدْ جَعَلَ مَخْرَجَهَا مِنْ حَافَةِ اللِّسَانِ وَمَا يَلِيهَا مِنَ الْأَضْرَاسِ، وَهُوَ وَصْفٌ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى نُطْقِنَا الْحَدِيثِ.
فَالصَّوْتُ نَفْسُهُ تَغَيَّرَ، وَبَقِيَ الِاسْمُ شَاهِدًا عَلَى أَنَّ هُوِيَّةَ اللُّغَةِ لَا تَسْكُنُ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ.
فَأَيْنَ تَسْكُنُ إِذَنْ؟
أَوَّلُ مَا يَلْفِتُ نَظَرَ الدَّارِسِ نِظَامُ الْجُذُورِ وَالْأَوْزَانِ: فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ، كَالْكَافِ وَالتَّاءِ وَالْبَاءِ، تَتَوَلَّدُ عَشَرَاتُ الْكَلِمَاتِ، كَالْكِتَابِ وَالْكَاتِبِ وَالْمَكْتَبَةِ وَالْمَكْتُوبِ، وَيَجْمَعُهَا مَعْنًى مُشْتَرَكٌ يَسْتَطِيعُ السَّامِعُ أَنْ يَتَبَيَّنَهُ وَلَوْ لَمْ يَسْمَعِ الْكَلِمَةَ مِنْ قَبْلُ.
وَلَيْسَ هٰذَا النِّظَامُ خَاصًّا بِالْعَرَبِيَّةِ، فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اللُّغَاتِ السَّامِيَّةِ كَالْعِبْرِيَّةِ وَالْآرَامِيَّةِ، لٰكِنَّ الْعَرَبِيَّةَ اسْتَثْمَرَتْهُ اسْتِثْمَارًا وَاسِعًا، فَصَارَ الِاشْتِقَاقُ عِنْدَهَا أَدَاةً لِتَوْلِيدِ الْأَلْفَاظِ الْجَدِيدَةِ كُلَّمَا احْتَاجَتْ إِلَيْهَا، كَمَا اشْتَقَّتْ «الْحَاسُوبَ» مِنَ الْحِسَابِ.
وَالْعُنْصُرُ الثَّانِي هُوَ الْإِعْرَابُ، أَيْ تَغَيُّرُ أَوَاخِرِ الْكَلِمَاتِ بِحَسَبِ وَظِيفَتِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ مَا يَمْنَحُ الْكَاتِبَ حُرِّيَّةً فِي تَرْتِيبِ كَلَامِهِ، فَيُقَدِّمُ الْمَفْعُولَ أَوْ يُؤَخِّرُ الْفَاعِلَ دُونَ أَنْ يَضِيعَ الْمَعْنَى.
فَإِذَا قُلْنَا: «أَكْرَمَ الْمُعَلِّمَ الطَّالِبُ»، عَرَفَ السَّامِعُ مِنَ الضَّمَّةِ أَنَّ الطَّالِبَ هُوَ الَّذِي أَكْرَمَ، وَإِنْ جَاءَ فِي آخِرِ الْجُمْلَةِ.
أَمَّا الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ، وَلَعَلَّهُ أَعْجَبُهَا، فَهُوَ الِاسْتِمْرَارُ: فَالْقَارِئُ الْعَرَبِيُّ الْيَوْمَ يَفْهَمُ، بِشَيْءٍ مِنَ الْجُهْدِ، شِعْرًا قِيلَ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ قَرْنًا، وَهٰذَا أَمْرٌ نَادِرٌ بَيْنَ لُغَاتِ الْعَالَمِ.
وَيَعُودُ الْفَضْلُ فِي ذٰلِكَ إِلَى الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الَّذِي ثَبَّتَ الْفُصْحَى نَمُوذَجًا أَعْلَى، وَإِلَى النُّحَاةِ الَّذِينَ دَوَّنُوا قَوَاعِدَهَا فِي الْقَرْنَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ لِلْهِجْرَةِ.
غَيْرَ أَنَّ لِهٰذَا الثَّبَاتِ ثَمَنًا، فَإِلَى جَانِبِ الْفُصْحَى تَعِيشُ لَهَجَاتٌ كَثِيرَةٌ يَتَكَلَّمُهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ، وَقَدْ تَبْتَعِدُ إِحْدَاهَا عَنِ الْأُخْرَى حَتَّى يَصْعُبَ التَّفَاهُمُ بَيْنَ أَهْلِهِمَا.
فَمَا الَّذِي يَجْعَلُ الْعَرَبِيَّةَ عَرَبِيَّةً؟
لَيْسَتِ الضَّادُ وَحْدَهَا، وَلَا الْإِعْرَابُ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ ذٰلِكَ التَّوَازُنُ الْعَجِيبُ بَيْنَ نِظَامٍ صَارِمٍ يَحْفَظُ الْمَاضِيَ، وَقُدْرَةٍ مَرِنَةٍ عَلَى تَوْلِيدِ الْجَدِيدِ.
وَاللُّغَةُ، فِي النِّهَايَةِ، لَيْسَتْ كَنْزًا مَحْفُوظًا فِي الْكُتُبِ، بَلْ هِيَ مَا يَصْنَعُهُ بِهَا مُتَكَلِّمُوهَا كُلَّ يَوْمٍ.