إِلَى أُخْتِي الْعَزِيزَةِ سَلْمَى:
سَلَامٌ عَلَيْكِ، وَعَلَى الْبَيْتِ الَّذِي أَرَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي مَنَامِي أَوْضَحَ مِمَّا أَرَى هٰذِهِ الْغُرْفَةَ الَّتِي أَكْتُبُ فِيهَا إِلَيْكِ.
مَضَتْ عَشْرُ سَنَوَاتٍ عَلَى رَحِيلِي، وَمَا زِلْتُ أُحَوِّلُ الْأَسْعَارَ فِي رَأْسِي إِلَى عُمْلَتِنَا، وَأَحْسُبُ السَّاعَةَ عِنْدَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى السَّاعَةِ عِنْدِي.
تَسْأَلِينَنِي فِي رِسَالَتِكِ الْأَخِيرَةِ هَلْ تَعَوَّدْتُ الْحَيَاةَ هُنَا، وَالْحَقُّ أَنَّنِي تَعَوَّدْتُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا شُعُورِي بِأَنَّنِي ضَيْفٌ.
فَالنَّاسُ هُنَا مُهَذَّبُونَ، يَبْتَسِمُونَ لِي فِي الْمِصْعَدِ وَيُحَدِّثُونَنِي عَنِ الطَّقْسِ، وَلٰكِنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَسْأَلْنِي يَوْمًا عَنْ أُمِّي.
وَالشِّتَاءُ هُنَا طَوِيلٌ رَمَادِيٌّ تَغِيبُ فِيهِ الشَّمْسُ أَسَابِيعَ، فَصِرْتُ أَشْتَاقُ إِلَى شَمْسِنَا كَمَا يَشْتَاقُ الْمَرْءُ إِلَى صَدِيقٍ قَدِيمٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ قِيمَتَهُ.
وَأَنَا أَتَكَلَّمُ لُغَتَهُمُ الْآنَ بِطَلَاقَةٍ تُدْهِشُ زُمَلَائِي، لٰكِنِّي أَحْلُمُ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَأَغْضَبُ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَإِذَا جُرِحَتْ يَدِي صَرَخْتُ «يَا أُمِّي» قَبْلَ أَنْ أَتَذَكَّرَ أَيْنَ أَنَا.
وَحِينَ أَتَّصِلُ بِكُمْ وَأَسْمَعُ ضَجِيجَ الْبَيْتِ خَلْفَ صَوْتِكِ، أُطِيلُ الْمُكَالَمَةَ، لَا لِأَقُولَ شَيْئًا، بَلْ لِأَسْمَعَ ذٰلِكَ الضَّجِيجَ.
أَتَعْرِفِينَ مَا أَصْعَبُ شَيْءٍ فِي الْغُرْبَةِ؟
إِنَّهُ لَيْسَ الْبُعْدَ، فَالطَّائِرَاتُ تَطْوِي الْمَسَافَاتِ فِي سَاعَاتٍ، وَإِنَّمَا هُوَ أَنْ تَكْتَشِفَ أَنَّ الْوَطَنَ لَمْ يَتَوَقَّفْ حِينَ غِبْتَ عَنْهُ.
فَالْجِيرَانُ الَّذِينَ تَرَكْتُهُمْ شُبَّانًا صَارَ لَهُمْ أَوْلَادٌ لَا يَعْرِفُونَنِي، وَالدُّكَّانُ الَّذِي كُنْتُ أَشْتَرِي مِنْهُ الْحَلْوَى أَصْبَحَ صَيْدَلِيَّةً، وَابْنُكِ الَّذِي حَمَلْتُهُ رَضِيعًا يُرْسِلُ إِلَيَّ صُوَرَهُ الْآنَ وَقَدْ نَبَتَ شَارِبُهُ.
إِنَّ الْغَائِبَ يَحْمِلُ صُورَةً ثَابِتَةً لِمَكَانٍ لَا يَكُفُّ عَنِ التَّغَيُّرِ، فَإِذَا عَادَ وَجَدَ نَفْسَهُ غَرِيبًا مَرَّتَيْنِ: غَرِيبًا هُنَاكَ، وَغَرِيبًا هُنَا.
وَمَعَ ذٰلِكَ لَا أَشْكُو، فَقَدْ عَلَّمَتْنِي الْغُرْبَةُ أَنْ أَرَى بَيْتَنَا بِعَيْنٍ جَدِيدَةٍ، وَأَنْ أُدْرِكَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَحْسَبُهُ عَادِيًّا، كَصَوْتِ أَبِينَا وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْجَرِيدَةَ، كَانَ هُوَ الثَّرْوَةَ كُلَّهَا.
قَبِّلِي عَنِّي يَدَ أُمِّي، وَقُولِي لَهَا إِنَّنِي أَعْتَنِي بِطَعَامِي، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ ذٰلِكَ صَحِيحًا تَمَامًا.
وَاتْرُكُوا لِي كُرْسِيًّا حَوْلَ الْمَائِدَةِ فِي الْعِيدِ، لَا لِأَنَّنِي سَأَعُودُ قَرِيبًا، بَلْ لِكَيْ يَجِدَ الْأَمَلُ مَكَانًا يَجْلِسُ فِيهِ.
أَخُوكِ الْمُشْتَاقُ دَائِمًا، يُوسُفُ.