يُطْلِقُ الْمُؤَرِّخُونَ اسْمَ «النَّهْضَةِ» عَلَى حَرَكَةٍ فِكْرِيَّةٍ وَأَدَبِيَّةٍ وَاسِعَةٍ عَرَفَهَا الْعَالَمُ الْعَرَبِيُّ فِي الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ وَأَوَائِلِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، وَكَانَ مَرْكَزَاهَا الْكَبِيرَانِ مِصْرَ وَبِلَادَ الشَّامِ.
وَكَثِيرًا مَا يُؤَرَّخُ لِبِدَايَتِهَا بِحَمْلَةِ نَابُلْيُونَ عَلَى مِصْرَ سَنَةَ ١٧٩٨، الَّتِي حَمَلَتْ مَعَهَا مَطْبَعَةً وَطَائِفَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَكَشَفَتْ لِلْمِصْرِيِّينَ عُمْقَ الْهُوَّةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أُورُوبَّا.
غَيْرَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ الْيَوْمَ يَرَوْنَ فِي هٰذَا التَّأْرِيخِ تَبْسِيطًا، لِأَنَّ بُذُورَ التَّجْدِيدِ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْمُجْتَمَعِ قَبْلَ ذٰلِكَ، وَلِأَنَّ النَّهْضَةَ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ تَقْلِيدٍ لِلْغَرْبِ.
وَقَدْ أَدْرَكَ وَالِي مِصْرَ مُحَمَّدُ عَلِيٍّ، الَّذِي حَكَمَهَا مِنْ سَنَةِ ١٨٠٥، أَنَّ بِنَاءَ دَوْلَةٍ قَوِيَّةٍ يَحْتَاجُ إِلَى الْعِلْمِ الْحَدِيثِ، فَأَنْشَأَ الْمَدَارِسَ وَمَطْبَعَةَ بُولَاقَ، وَأَرْسَلَ الْبَعَثَاتِ إِلَى أُورُوبَّا.
وَكَانَ مِنْ بَيْنِ أَعْضَاءِ إِحْدَى هٰذِهِ الْبَعَثَاتِ شَيْخٌ أَزْهَرِيٌّ شَابٌّ اسْمُهُ رِفَاعَةُ الطَّهْطَاوِيُّ، ذَهَبَ إِلَى بَارِيسَ إِمَامًا لِلطُّلَّابِ سَنَةَ ١٨٢٦، فَعَادَ بَعْدَ خَمْسِ سَنَوَاتٍ مُتَرْجِمًا وَمُفَكِّرًا.
وَقَدْ وَصَفَ فِي كِتَابِهِ «تَخْلِيصِ الْإِبْرِيزِ فِي تَلْخِيصِ بَارِيزَ» مَا رَآهُ هُنَاكَ مِنْ نُظُمٍ وَعُلُومٍ وَعَادَاتٍ، بِعَيْنِ الْمُعْجَبِ وَالنَّاقِدِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ أَدَارَ «مَدْرَسَةَ الْأَلْسُنِ» الَّتِي خَرَّجَتْ جِيلًا مِنَ الْمُتَرْجِمِينَ.
وَفِي بِلَادِ الشَّامِ اتَّجَهَتِ النَّهْضَةُ اتِّجَاهًا لُغَوِيًّا وَمَعْرِفِيًّا وَاضِحًا؛ فَقَدْ أَلَّفَ بُطْرُسُ الْبُسْتَانِيُّ مُعْجَمَ «مُحِيطِ الْمُحِيطِ»، وَبَدَأَ أَوَّلَ مَوْسُوعَةٍ عَرَبِيَّةٍ حَدِيثَةٍ، وَكَتَبَ الْيَازِجِيُّ مَقَامَاتٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْحَرِيرِيِّ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ الْقَدِيمَةَ مَا زَالَتْ حَيَّةً.
وَازْدَهَرَتِ الصِّحَافَةُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ الْقَرْنِ، فَظَهَرَتْ صُحُفٌ وَمَجَلَّاتٌ مِثْلُ الْأَهْرَامِ وَالْمُقْتَطَفِ وَالْهِلَالِ، أَسَّسَ كَثِيرًا مِنْهَا مُهَاجِرُونَ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ إِلَى مِصْرَ، فَصَارَتْ مَنَابِرَ لِلنِّقَاشِ فِي الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ وَالْإِصْلَاحِ.
وَلَمْ تَقْتَصِرِ النَّهْضَةُ عَلَى الْأَدَبِ، فَقَدْ دَعَا مُصْلِحُونَ مِثْلُ جَمَالِ الدِّينِ الْأَفْغَانِيِّ وَتِلْمِيذِهِ مُحَمَّدٍ عَبْدُهْ إِلَى تَجْدِيدِ الْفِكْرِ الدِّينِيِّ وَالتَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِلْمِ الْحَدِيثِ.
وَفِي الشِّعْرِ أَعَادَ الْبَارُودِيُّ إِلَى الْقَصِيدَةِ الْعَرَبِيَّةِ جَزَالَتَهَا الْقَدِيمَةَ، بَعْدَ قُرُونٍ غَلَبَتْ فِيهَا الصَّنْعَةُ اللَّفْظِيَّةُ، فَمَهَّدَ الطَّرِيقَ لِأَحْمَدَ شَوْقِي وَحَافِظِ إِبْرَاهِيمَ.
وَهٰكَذَا لَمْ تَكُنِ النَّهْضَةُ اسْتِيرَادًا لِلْأَفْكَارِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَتْ حِوَارًا مُتَوَتِّرًا بَيْنَ الرَّغْبَةِ فِي اللَّحَاقِ بِالْعَصْرِ وَالْحِرْصِ عَلَى إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، وَهُوَ حِوَارٌ لَمْ يَنْتَهِ حَتَّى الْيَوْمِ.