طَلَبَ الْأُسْتَاذُ الْجَدِيدُ مِنْ تَلَامِيذِ الصَّفِّ السَّادِسِ أَنْ يَكْتُبُوا مَوْضُوعًا قَصِيرًا عُنْوَانُهُ «أَبِي»، فَانْحَنَتِ الرُّؤُوسُ عَلَى الدَّفَاتِرِ، وَامْتَلَأَ الْفَصْلُ بِصَرِيرِ الْأَقْلَامِ.
وَبَقِيَ مَازِنٌ وَحْدَهُ يَنْظُرُ إِلَى الصَّفْحَةِ الْبَيْضَاءِ طَوِيلًا، ثُمَّ كَتَبَ بِخَطٍّ صَغِيرٍ مُرْتَبِكٍ:
«كَانَ أَبِي نَجَّارًا، وَكَانَتْ يَدَاهُ خَشِنَتَيْنِ تَفُوحُ مِنْهُمَا رَائِحَةُ الْخَشَبِ، وَكَانَ يَصْنَعُ لِي فِي الْعِيدِ أَلْعَابًا لَا يَمْلِكُ مِثْلَهَا أَحَدٌ غَيْرِي».
وَفِي الْمَسَاءِ، وَهُوَ يُصَحِّحُ الدَّفَاتِرَ، تَوَقَّفَ الْأُسْتَاذُ عِنْدَ هٰذِهِ السُّطُورِ، وَرَسَمَ بِقَلَمِهِ الْأَحْمَرِ خَطًّا تَحْتَ كُلِّ فِعْلٍ مَاضٍ، وَكَتَبَ فِي الْهَامِشِ: «اكْتُبْ بِالْمُضَارِعِ، فَأَنْتَ تَصِفُ أَبَاكَ كَمَا هُوَ الْآنَ!»
وَفِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي أَعَادَ الدَّفَاتِرَ إِلَى أَصْحَابِهَا، فَقَرَأَ مَازِنٌ الْمُلَاحَظَةَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
لٰكِنَّ الْأُسْتَاذَ لَاحَظَ أَنَّهُ لَمْ يُصَحِّحِ الْأَفْعَالَ كَمَا فَعَلَ زُمَلَاؤُهُ، بَلْ أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ بِهُدُوءٍ، وَوَضَعَ عَلَيْهِ يَدَيْهِ كَمَنْ يَحْمِي شَيْئًا ثَمِينًا.
وَفِي الِاسْتِرَاحَةِ سَأَلَ الْأُسْتَاذُ الْمُدِيرَ عَنْهُ، فَعَلِمَ أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ قَبْلَ عَامَيْنِ، وَأَنَّهُ يَعِيشُ مَعَ أُمِّهِ وَجَدَّتِهِ فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ، وَأَنَّهُ لَا يَتَحَدَّثُ عَنْ أَبِيهِ أَبَدًا.
شَعَرَ الْأُسْتَاذُ بِأَنَّ قَلَمَهُ الْأَحْمَرَ قَدْ جَرَحَ شَيْئًا لَا تُصْلِحُهُ قَوَاعِدُ النَّحْوِ.
وَتَذَكَّرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِتَلَامِيذِهِ إِنَّ الزَّمَنَ فِي اللُّغَةِ لَيْسَ مَسْأَلَةَ قَوَاعِدَ فَقَطْ، وَإِنَّمَا هُوَ طَرِيقَةٌ فِي النَّظَرِ إِلَى الْعَالَمِ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ صَبِيًّا فِي الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ سَيُعَلِّمُهُ مَعْنَى كَلَامِهِ.
فَاسْتَدْعَى مَازِنًا بَعْدَ الدَّرْسِ، وَطَلَبَ مِنْهُ الدَّفْتَرَ، ثُمَّ شَطَبَ الْمُلَاحَظَةَ أَمَامَهُ، وَكَتَبَ مَكَانَهَا: «أَحْسَنْتَ، فَبَعْضُ الْأَفْعَالِ الْمَاضِيَةِ أَصْدَقُ مِنْ كُلِّ مُضَارِعٍ».
نَظَرَ الصَّبِيُّ إِلَى الْكَلِمَاتِ طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ: «كَانَ يَقُولُ إِنَّ الْخَشَبَ لَا يَمُوتُ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ».
وَلَمْ يَعْرِفِ الْأُسْتَاذُ بِمَاذَا يُجِيبُ، فَاكْتَفَى بِأَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِهِ.
وَبَعْدَ أَسَابِيعَ، فِي حِصَّةِ الْأَشْغَالِ الْيَدَوِيَّةِ، صَنَعَ مَازِنٌ مِنْ قِطَعِ الْخَشَبِ الصَّغِيرَةِ عُصْفُورًا لَهُ جَنَاحَانِ يَتَحَرَّكَانِ، وَتَرَكَهُ عَلَى مَكْتَبِ الْأُسْتَاذِ دُونَ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ اسْمَهُ.
لٰكِنَّ الْأُسْتَاذَ عَرَفَ صَاحِبَهُ عَلَى الْفَوْرِ، فَقَدْ كَانَتْ تَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةٌ عَرَفَهَا مِنْ سُطُورِ دَفْتَرٍ صَغِيرٍ: رَائِحَةُ الْخَشَبِ الَّذِي لَا يَمُوتُ.