فِي الثَّانِي مِنْ يَنَايِرَ سَنَةَ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ، خَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللّٰهِ مُحَمَّدٌ، آخِرُ مُلُوكِ بَنِي نَصْرٍ، مِنْ قَصْرِ الْحَمْرَاءِ، وَسَلَّمَ مَفَاتِيحَ غَرْنَاطَةَ إِلَى فِرْدِينَانْدَ وَإِيزَابِيلَا، فَطُوِيَتْ بِذٰلِكَ صَفْحَةٌ مِنْ تَارِيخِ الْأَنْدَلُسِ دَامَتْ نَحْوَ ثَمَانِيَةِ قُرُونٍ.
وَلَمْ تَسْقُطْ غَرْنَاطَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ قَبْلَ ذٰلِكَ بِسِنِينَ، حِينَ تَفَرَّقَتْ قُلُوبُ أَهْلِهَا، وَاشْتَغَلَ أُمَرَاؤُهَا بِبَعْضِهِمْ عَنْ عَدُوِّهِمْ.
فَقَدْ نَازَعَ أَبُو عَبْدِ اللّٰهِ أَبَاهُ أَبَا الْحَسَنِ عَلَى الْمُلْكِ، ثُمَّ نَازَعَهُ عَمُّهُ الْمَعْرُوفُ بِالزَّغَلِ، فَتَمَزَّقَتِ الْمَمْلَكَةُ الصَّغِيرَةُ بَيْنَ أَهْوَاءِ ثَلَاثَةِ أُمَرَاءَ، وَالْقَشْتَالِيُّونَ يَأْخُذُونَ مِنْ أَطْرَافِهَا مَدِينَةً بَعْدَ مَدِينَةٍ.
فَلَمَّا سَقَطَتْ مَالَقَةُ، ثُمَّ بَسْطَةُ وَالْمَرِيَّةُ، لَمْ يَبْقَ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّا غَرْنَاطَةُ وَحْدَهَا، كَالشَّمْعَةِ الْأَخِيرَةِ فِي بَيْتٍ أَطْفَأَتِ الرِّيحُ سُرُجَهُ.
وَفِي رَبِيعِ سَنَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَإِحْدَى وَتِسْعِينَ ضَرَبَ الْمَلِكَانِ الْكَاثُولِيكِيَّانِ الْحِصَارَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَبَنَيَا قُبَالَتَهَا بَلْدَةً مِنْ حَجَرٍ سَمَّيَاهَا «سَانْتَا فِي»، إِعْلَامًا بِأَنَّهُمَا لَنْ يَبْرَحَا حَتَّى تَسْقُطَ.
وَطَالَ الْحِصَارُ، وَاشْتَدَّ الْجُوعُ، وَانْقَطَعَ الرَّجَاءُ فِي مَدَدٍ يَأْتِي مِنْ وَرَاءِ الْبَحْرِ، فَجَنَحَ أَبُو عَبْدِ اللّٰهِ إِلَى الصُّلْحِ، وَعُقِدَتْ مُعَاهَدَةُ التَّسْلِيمِ فِي أَوَاخِرِ تِلْكَ السَّنَةِ.
وَقَدْ ضَمِنَتِ الْمُعَاهَدَةُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَمَسَاجِدَهُمْ، وَأَنْ يُقِيمُوا شَعَائِرَ دِينِهِمْ، وَيُحْكَمَ بَيْنَهُمْ بِشَرِيعَتِهِمْ.
غَيْرَ أَنَّ هٰذِهِ الْعُهُودَ لَمْ تَصْمُدْ إِلَّا سَنَوَاتٍ قَلِيلَةً، ثُمَّ نُقِضَتْ عُرْوَةً عُرْوَةً، حَتَّى أُكْرِهَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ دِينِهِمْ، وَأُحْرِقَتْ كُتُبُهُمْ فِي السَّاحَاتِ.
أَمَّا أَبُو عَبْدِ اللّٰهِ فَقَدْ أُقْطِعَ أَرْضًا فِي الْجِبَالِ الْقَرِيبَةِ مِنْ غَرْنَاطَةَ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ عَبَرَ الْبَحْرَ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَعَاشَ بَقِيَّةَ عُمُرِهِ فِي فَاسَ، بَعِيدًا عَنْ مُلْكٍ أَضَاعَهُ.
وَتَقُولُ رِوَايَةٌ مَشْهُورَةٌ إِنَّهُ لَمَّا بَلَغَ رَبْوَةً تُطِلُّ عَلَى غَرْنَاطَةَ الْتَفَتَ إِلَيْهَا وَبَكَى، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: «ابْكِ مِثْلَ النِّسَاءِ مُلْكًا لَمْ تُحَافِظْ عَلَيْهِ مِثْلَ الرِّجَالِ».
وَسَوَاءٌ أَصَحَّتْ هٰذِهِ الرِّوَايَةُ أَمْ لَمْ تَصِحَّ، فَقَدْ سَمَّى الْإِسْبَانُ ذٰلِكَ الْمَوْضِعَ «زَفْرَةَ الْعَرَبِيِّ»، وَمَا زَالَ يُعْرَفُ بِهٰذَا الِاسْمِ إِلَى الْيَوْمِ.
وَهٰكَذَا انْطَوَى عَهْدٌ كَانَتْ فِيهِ قُرْطُبَةُ مَنَارَةً لِلْعِلْمِ فِي أُورُبَّا، وَكَانَتْ إِشْبِيلِيَةُ وَطُلَيْطِلَةُ وَغَرْنَاطَةُ مَوَاطِنَ لِلشِّعْرِ وَالْفَلْسَفَةِ وَالْعِمَارَةِ، وَبَقِيَتِ الْحَمْرَاءُ شَاهِدَةً عَلَى مَا كَانَ، تُحَدِّثُ زَائِرِيهَا بِلِسَانِ الْحَجَرِ.
وَلَيْسَ فِي سُقُوطِ الْمَمَالِكِ عِبْرَةٌ أَبْلَغُ مِنْ أَنَّ الْأَسْوَارَ لَا تَحْمِي قَوْمًا تَهَدَّمَ مَا بَيْنَهُمْ.