أَيُّهَا الْبَحْرُ، يَا شَيْخًا لَا يَشِيبُ، وَيَا طِفْلًا لَا يَكُفُّ عَنِ اللَّعِبِ، جِئْتُكَ اللَّيْلَةَ بِقَلْبٍ مُتْعَبٍ، فَهَلْ فِي صَدْرِكَ الْوَاسِعِ مُتَّسَعٌ لِهَمٍّ صَغِيرٍ؟
أَقِفُ عَلَى شَاطِئِكَ كَمَا وَقَفَ الْأَوَّلُونَ، فَأَرَاكَ تَمُدُّ إِلَيَّ يَدًا مِنْ زَبَدٍ، ثُمَّ تَسْحَبُهَا قَبْلَ أَنْ أَلْمِسَهَا، كَأَنَّكَ تَعِدُ وَلَا تَفِي، أَوْ كَأَنَّكَ تَخْشَى عَلَيَّ مِنْ نَفْسِكَ.
وَأَسْمَعُ صَوْتَكَ يَأْتِي مِنْ بَعِيدٍ، خَافِتًا مَرَّةً وَهَادِرًا مَرَّةً، كَأَنَّكَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ حَدِيثًا لَا يَنْتَهِي.
يَقُولُونَ إِنَّكَ غَدَّارٌ، وَإِنَّكَ ابْتَلَعْتَ السُّفُنَ وَالرِّجَالَ، وَتَرَكْتَ عَلَى الْمَرَافِئِ أُمَّهَاتٍ يَنْتَظِرْنَ مَنْ لَا يَعُودُ.
وَيَقُولُونَ إِنَّكَ كَرِيمٌ، تُطْعِمُ الصَّيَّادَ، وَتَحْمِلُ التَّاجِرَ، وَتَرُدُّ الْغَرِيبَ إِلَى أَهْلِهِ، وَتُخْرِجُ مِنْ ظُلُمَاتِكَ اللُّؤْلُؤَ وَالْمَرْجَانَ.
وَمَا أَنْتَ بِالْغَدَّارِ وَلَا بِالْكَرِيمِ، وَإِنَّمَا أَنْتَ أَنْتَ، لَا تَعْرِفُ مَا الْغَدْرُ وَمَا الْكَرَمُ، وَنَحْنُ الَّذِينَ نُلْبِسُكَ وُجُوهَنَا كُلَّمَا نَظَرْنَا إِلَيْكَ.
فَالْحَزِينُ يَرَى فِيكَ دَمْعَةً كُبْرَى، وَالْعَاشِقُ يَرَى فِيكَ مِرْآةً لِلشَّوْقِ، وَالْمُسَافِرُ يَرَى طَرِيقًا لَا يَنْتَهِي، وَالطِّفْلُ يَرَى مَلْعَبًا مِنْ مَاءٍ وَرَمْلٍ.
وَالشَّيْخُ الَّذِي قَضَى عُمُرَهُ عَلَى ظَهْرِكَ يَرَى فِيكَ صَدِيقًا قَدِيمًا، يَعْرِفُ طِبَاعَهُ وَلَا يَأْمَنُ غَضَبَهُ.
أَمَّا أَنَا فَأَرَى فِيكَ الزَّمَانَ نَفْسَهُ: مَوْجٌ يَأْتِي، وَمَوْجٌ يَمْضِي، وَلَا شَيْءَ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ إِلَّا هٰذَا الْمَجِيءُ وَهٰذَا الذَّهَابُ.
كَمْ مِنْ مَدِينَةٍ قَامَتْ عَلَى شُطْآنِكَ ثُمَّ نَامَتْ تَحْتَ رِمَالِكَ، وَكَمْ مِنْ أُسْطُولٍ أَقْبَلَ يَتِيهُ بِأَشْرِعَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا لَوْحٌ تُقَلِّبُهُ الْأَمْوَاجُ!
وَالْقِلَاعُ الَّتِي بَنَاهَا الْمُلُوكُ لِتَحْرُسَكَ صَارَتْ حِجَارَتُهَا مَأْوًى لِلسَّرَطَانِ وَالطُّحْلُبِ.
وَأَنْتَ كَمَا أَنْتَ، تُغَنِّي الْأُغْنِيَةَ نَفْسَهَا مُنْذُ أَوَّلِ الدَّهْرِ وَلَا تَمَلُّ، وَنَحْنُ نَسْمَعُهَا فَنَظُنُّهَا جَدِيدَةً فِي كُلِّ مَرَّةٍ، لِأَنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ تَغَيَّرْنَا.
عَلِّمْنِي، أَيُّهَا الْبَحْرُ، كَيْفَ أَغْضَبُ ثُمَّ أَهْدَأُ، وَكَيْفَ أُعْطِي وَلَا أَفْتَقِرُ، وَكَيْفَ أَحْمِلُ فِي أَعْمَاقِي كُلَّ هٰذِهِ الْأَسْرَارِ، وَيَبْقَى وَجْهِي صَافِيًا كَوَجْهِكَ فِي صَبَاحِ الصَّيْفِ.
وَعَلِّمْنِي أَنْ أَعُودَ إِلَى الشَّاطِئِ كُلَّمَا ابْتَعَدْتُ، كَمَا تَعُودُ إِلَيْهِ أَمْوَاجُكَ وَلَا تَكِلُّ، وَأَنْ أُسَلِّمَ عَلَى الرَّمْلِ كُلَّ صَبَاحٍ كَأَنِّي أَرَاهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
ثُمَّ يَنْتَصِفُ اللَّيْلُ، وَيَبْرُدُ الرَّمْلُ تَحْتَ قَدَمَيَّ، فَأَنْصَرِفُ عَنْكَ وَقَدْ تَرَكْتُ عِنْدَكَ هَمِّي، وَحَمَلْتُ مِنْكَ شَيْئًا مِنْ مِلْحِكَ وَصَوْتِكَ وَسَعَتِكَ.
وَأَعْلَمُ أَنَّكَ لَنْ تَذْكُرَنِي، وَلٰكِنِّي سَأَذْكُرُكَ، وَتِلْكَ هِيَ الْقِسْمَةُ الْعَادِلَةُ بَيْنَ الْبَحْرِ وَالْإِنْسَانِ.