كرامة لبعضهم: كنت يوماً ببعض المساجد بشيراز، وقد قعدت أتلو كتاب الله عز وجل إثر صلاة الظهر، فخطر بخاطري أنه لو كان لي مصحف كريم لتلوت فيه، فدخل علي في أثناء ذلك شاب وقال لي بكلام قوي خذ: فرفعت رأسي إليه فألقى في حجري مصحفاً كريماً وذهب عني. فختمته ذلك اليوم قراءة وانتظرته لأرده له، فلم يعد إلي، فسألت عنه فقيل لي: ذلك بهلول الشولي، ولم أره بعد. ووصلنا عشي اليوم الثاني إلى كازرون، فقصدنا زاوية الشيخ أبي إسحاق نفع الله به، وبتنا بها تلك الليلة ومن عادتهم أن يطعموا الوارد كائناً من كان من الهريسة المصنوعة من اللحم والسمن وتؤكل بالرقاق ولا يتركون الوارد عليهم للسفر حتى يقيم في الضيافة ثلاثة، ويعرض على الشيخ الذي بالزاوية حوائجه، ويذكرها الشيخ للفقراء الملازمين للزاوية، وهم يزيدون على مائة، منهم المتزوجون ومنهم الأعزاب المتجردون، فيختمون القرآن ويذكرون الذكر ويدعون له عند ضريح الشيخ أبي إسحاق فتقضى حاجته بإذن الله وهذا الشيخ أبو إسحاق معظم عند أهل الهند والصين ومن عادة الركاب في بحر الصين أنهم إذا تغير عليهم الهواء، وخافوا اللصوص، نذروا لأبي إسحاق نذراً، وكتب كل منهم على نفسه ما نذره فإذا وصلوا بر السلامة، صعد خادم الزاوية إلى المركب، وأخذوا الزمام، وقبضوا من كل ناذر نذره وما من مركب يأتي من الصين أو الهند إلا وفيه آلاف من الدنانير فيأتي الوكلاء من جهة خادم الزاوية فيقبضون ذلك. ومن الفقراء، ومن يأتي طالباً صدقة الشيوخ، فيكتب له أمر بها، وفيه علامة الشيخ منقوشة في قالب من الفضة، فيضعون القالب في صبغ أحمر ويلصقونه بالأمر، فيبقى أثر الطابع فيه ويكون مضمنه أن من عنده نذر للشيخ أبي إسحاق فليعط منه لفلان كذا فيكون الأمر بالألف والمائة وما بين ذلك ودونه على قدر الفقير، فإذا وجد من عنه شيء من النذر قبض منه كتب له رسماً في ظهر الأمر بما قبضه. ولقد نذر ملك الهند مرة للشيخ أبي إسحاق بعشرة آلاف دينار، فبلغ خبرها إلى فقراء الزاوية، فأتى أحدهم إلى الهند وقبضها وانصرف بها إلى الزاوية، ثم سافرن من كازرون إلى مدينة الزيدين، وسميت بذلك لأن فيها قبر زيد بن ثابت وقبر زيد بن أرقم الأنصاريين صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً، ورضي الله عنهما وهي مدينة حسنة كثيرة البساتين والمياه، مليحة الأسواق عجيبة المساجد، ولأهلها صلاح وأمانة وديانة، ومن أهلها القاضي نور الدين الزيداني، وكان ورد على أهل الهند فولي القضاء منها بذيبة المهل، وهي جزائر كثيرة ملكها جلال الدين بن صلاح الدين الصالح، وتزوجت بأخت هذا الملك وسيأتي ذكره وذكر بنته خديجة التي تولت الملك بعده بهذه الجزائر، وبها توفي القاضي نور الدين المذكور. ثم سافرنا منها إلى الحويزاء بالزاي، وهي مدينة صغيرة يسكنها العجم، بينها وبين البصرة مسيرة أربع، وبينها وبين الكوفة مسيرة خمس، ومن أهلها الشيخ الصالح العابد جمال الدين الحويزاني شيخ خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة ثم سافرنا منها قاصدين الكوفة في برية لا ماء بها إلا في موضع واحد يسمى الطرفاوي، وردناه في اليوم الثالث من سفرنا، ثم وصلنا بعد اليوم الثاني من ورودنا عليه إلى مدينة الكوفة.
مدينة الكوفة