The Travels

ذكر قبور الخلفاء ببغداد
Read with the dictionary

ومدين ظفار في صحراء لا قرية بها ولا عمالة لها، والسوق خارج المدينة بربض يعرف بالحرجاء، وهي من أقذر الأسواق وأشدها تنتاً وأكثرها ذباباً، لكثرة ما يباع فيها من الثمرات والسمك. وأكثر سمكها النوع المعروف بالسردين، وهو بها في النهاية من السمن. ومن العجائب أن دوابهم إنما علفها من هذا السردين وكذلك غنمهم. ولم أر ذلك في سواها. وأكثر باعتها الخدم، وهن يلبسن السواد. وزرع أهلها الذرة، وهم يسقونها من آبار بعيدة الماء. وكيفية سقيهم أنهم يصنعون دلواً كبيرة، ويجعلون لها حبالاً كثيرة، ويتحزم بكل حبل عبد أو خادم، ويجرون الدلو على عود كبير مرتفع عن البئر، ويصبونها في صهريج يسقون منه. ولهم قمح يسمونه العلس وهو في الحقيقة نوع من السلت، والأرز يجلب إليهم من بلاد الهند، وهو أكثر طعامهم. ودراهم هذه المدينة من النحاس والقصدير، ولا تنفق في سواها. وهم أهل تجارة لا عيش لهم إلا منها، ومن عاداتهم أنه إذا وصل مركب من الهند أو غيرها خرج عبيد السلطان إلى الساحل، وصعدوا في صنبوق إلى المركب، ومعهم الكسوة الكاملة لصاحب المركب أو وكيله، وللربان وهو الرئيس، وللكراني وهو كاتب المركب، ويؤتى إليهم بثلاثة أفراس فيركبونها، وتضرب أمامهم الأطبال والأبواق من ساحل البحر إلى دار السلطان فيسلمون على الوزير وأمير الجند، وتبعث الضيافة لكل من بالمركب ثلاثاً، وبعد الثلاث يأكلون بدار السلطان.

وهم يفعلون ذلك استجلاباً لأصحاب المراكب. وهم أهل تواضع وحسن أخلاق وفضيلة ومحبة للغرباء، ولباسهم القطن، وهو يجلب إليهم من بلاد الهند.ويشدون الفوط في أوساطهم عوضاً عن السروال، وأكثرهم يشد فوطة في وسطه، ويجعل فوق ظهره أخرى من شدة الحر، ويغتسلون مرات في اليوم.

وهي كثير ة المساجد. ولهم في كل مسجد مطاهر كثيرة معدة للاغتسال. ويصنع بها ثياب من الحرير والقطن والكتان حسان جداً.

والغالب على أهلها رجالاً ونساء المرض المعروف بداء الفيل، وهو انتفاخ القدمين. وأكثر رجالهم مبتلون بالأدر والعياذ بالله ومن عوايدم الحسنة التصافح في المسجد إثر صلاة الصبح والعصر، يستند أهل الصف الأول إلى القبلة، ويصافحهم الذين يلونهم. وكذلك يفعلون بعد صلاة الجمعة، يتصافحون أجمعون. ومن خواص هذه المدينة وعجائبها أنه لا يقصدها أحد بسوء إلا عاد عليه مكروه، وحيل بينه وبينها.

وذكر لي أن السلطان قطب الدين تمتهن بن طوران شاه صاحب هرمز نازلها مرة من البر والبحر، فأرسل الله سبحانه عليه ريحاً عاصفاً كسرت مراكبه ورجع عن حصارها وصالح ملكها. وكذلك ذكر أن الملك المجاهد سلطان اليمن عين ابن عم له بعسكر كبير، برسم انتزاعها من يد ملكها، وهو أيضاً ابن عمه، فلما خرج ذلك الأمير من داره سقط عليه حائط وعلى جماعة من أصحابه فهلكوا جميعاً. ورجع الملك عن رأيه وترك حصارها وطلبها. ومن الغرائب أن أهل هذه المدينة أشبه الناس بأهل المغرب في شؤونهم. نزلت بدار الخطيب بمسجدها الأعظم، وهو عيسى بن علي، كبير القدر كريم النفس. فكان له جوارٍ مسميات بأسماء خدام المغرب، إحداهن اسمها بخيتة والأخرى زاد المال. ولم أسمع هذه الأسماء في بلد سواها. وأكثر أهلها رؤوسهم مكشوفة، لا يجعلون عليها العمائم. وفي كل دار من دورهم سجادة الخوص، معلقة في البيت، يصلي عليها صاحب البيت، كما يفعل أهل المغرب. وأكلهم الذرة. وهذا التشابه كله مما يقوي القول بأن صنهاجة وسواهم من قبائل المغرب أصلهم من حمير. وبقرب من هذه المدينة بين بساتينها زاوية الشيخ الصالح العابد أبي محمد بن أبي بكر بن عيسى، من أهل ظفار. وهذه الزاوية معظمة عندهم، يأتون إليها غدواً وعيشاً، ويستجيرون بها. فإذا دخلها المستجير لم يقدر السلطان عليه. رأيت بها شخصاً ذكر لي أن له بها مدة سنين مستجيراً لم يتعرض له السلطان.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account