The Travels

ذكر سلطان ماردين في عهد دخولي إليها
Read with the dictionary

لنصيبين قد عجبت وما في ... دارها لي داعٍ إلى العلات

يعدم الورد أحمراً في ذراها ... لسقام حتى من الوجنات

ثم رحلنا إلى مدينة سنجار، وهي مدينة كبيرة كثيرة الفواكه والأشجار والعيون المطردة والأنهار، مبنية في سفح جبل، تشبه بدمشق في كثرة أنهارها وبساتينها، ومسجدها الجامع مشهور البركة، يذكر ان الدعاء به مستجاب، ويدور به نهر ماء ويشقه. وأهل سنجار أكراد، ولهم شجاعة وكرم، وممن لقيته بها الشيخ الصالح العابد الزاهد عبد الله الكردي أحد المشايخ الكبار صاحب كرامات يذكر عنه أنه لا يفطر إلا بعد أربعين يوماً ويكون إفطاره على نصف قرص من الشعير، لقيته برابطة بأعلى جبل سنجار ودعا لي وزودني بدراهم، لم تزل عندي إلى ان سلبني كفار الهنود. ثم سافرنا إلى مدينة دارا، وهي عتيقة كبيرة بيضاء المنظر، لها قلعة مشرفة، وهي الآن خراب لا عمارة بها وفي خارجها قرية معمورة، بها كان نزولنا، ثم رحلنا منها فوصلنا إلى مدينة ماردين، وهي عظيمة في سطح جبل من أحسن مدن الإسلام وأبدعها وأتقنها وأحسنها أسواقاً وبها تصنع الثياب المنسوبة إليها من الصوف المعروف بالمرعز ولها قلعة شماء من مشاهير القلاع في قنة جبلها. قال ابن جزي: قلعة ماردين هذه تسمى الشهباء وإياها عنى شاعر العراق صفي الدين عبد العزيز بن سراي الحلي بقوله في مسمطته:

فدع ربوع الحلة الفيحاء ... وازور بالعيس عن الزوراء

ولا تقف بالموصل الحدباء ... إن شهاب القلعة الشهباء

محرق شيطان صروف الدهر

وقلعة حلب تسمى الشهباء أيضاً وهذه المسمطة بديعة مدح بها الملك المنصور سلطان ماردين، وكان كريماً شهير الصيت ولي الملك بها نحو خمسين سنة، وأدرك أيام قازان ملك التتر، وصاهر السلطان خدابنده بابنته دنيا خاتون.

ذكر سلطان ماردين في عهد دخولي إليها

وهو الملك الصالح ابن الملك المنصور الذي ذكرناه آنفاً، ورث الملك عن أبيه وله المكارم الشهيرة. وليس بأرض العراق والشام ومصر أكرم منه يقصده الشعراء والفقراء فيجزل لهم العطايا، جرياً على سنن أبيه قصده أبو عبيد الله محمد ابن جابر الأندلسي المروي الكفيف مادحاً، فأعطاه عشرين ألف درهم. وله الصدقات والمدارس والزوايا لإطعام الطعام، وله وزير كبير القدر، وهو الإمام العالم وحيد الدهر وفريد العصر جمال الدين السنجاوي، وقرأ بمدينة تبريز، وأدرك العلماء الكبار، وقاضي قضاته الامام الكامل برهان الدين الموصلي، وهو ينتسب إلى الشيخ الولي فتح الموصلي، وهذا القاضي من أهل الدين والورع والفضل، يلبس الخشن من ثياب الصوف الذي لا تبلغ قيمته عشرة دراهم، ويعتم بنحو ذلك، وكثيراً ما يجلس للأحكام بصحن مسجد خارج المدرسة، كان يتعبد فيه فإذا رآه من لا يعرفه ظنه بعض خدام القاضي وأعوانه.

حكاية

ذكر لي: أن امرأة أتت هذا القاضي، وهو خارج من المسجد، ولم تكن تعرفه، فقالت له: يا شيخ، أين يجلس القاضي ؟ فقال لها: وما تريدين منه ؟ فقالت: إن زوجي ضربني، وله زوجة ثانية، وهو لا يعدل بيننا في القسم وقد دعوته إلى القاضي فأبى وأنا فقيرة ليس عندي ما أعطيه لرجال القاضي حتى يحضرونه بمجلسه، فقال لها: وأين منزل زوجك ؟ فقالت: بقرية الملاحين خارج المدينة فقال لها: أنا أذهب معك إليه فقالت: والله ما عندي شيء أعطيك إياه فقال لها: لا آخذ منك شيئاً، ثم قال لها: اذهبي إلى القرية وانتظريني خارجها، فإني على أثرك. فذهبت كما أمرها وانتظرته، فوصل إليها وليس معه أحد، وكانت عادته أن لا يدع أحداً يتبعه فجاءت به إلى منزل زوجها فلما رآه قال: ما هذا الشيخ النحس الذي معك ؟ فقال له: نعم والله أنا كذلك، ولكن أرض زوجتك. فلما طال الكلام، جاء الناس فعرفوا القاضي وسلموا عليه وخاف ذلك الرجل وخجل فقال له القاضي: لا عليك أصلح ما بينك وبين زوجتك فأرضاها الرجل من نفسه وأعطاهما القاضي نفقة ذلك اليوم وانصرف.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account