The Travels

حكاية
Read with the dictionary

ونفعنا ذلك عنده وبالغ في إكرامنا وقال: هؤلاء تجب كرامتهم، لأنهم يتكلمون باللسان العربي القديم وهو لسان النبي صلى الله عليه وسلم تسليماً وأصحابه. ولم نفهم كلام الفقيه إذ ذاك لكنني حفظت لفظه. فلما تعلمت اللسان الفارسي فهمت مراده. وبتنا تلك الليلة بالزاوية، وبعث معنا دليلاً إلى ينجا وضبط اسمها " بفتح الياء آخر الحروف وكسر النون وجيم " بلدة كبيرة حسنة. بحثنا بها عن زاوية الأخي فوجدنا بها أحد الفقراء المولهين، فقلت له: هذه زاوية الأخي، فقال لي: نعم. فسرت عند ذلك إذ وجدت من يفهم اللسان العربي. فلما اختبرته أبرز الغيب أنه لا يعرف من اللسان العربي إلا كلمة نعم خاصة. ونزلنا بالزاوية وجاء إلينا أحد الطلبة بطعام. ولم يكن الأخي حاضراً، وحصل الأنس بهذا الطالب، ولم يكن يعرف اللسان العربي، ولكنه تفضل وتكلم مع نائب البلدة فأعطاني فارساً من أصحابه، وتوجه معنا إلى كبنوك " وضبط اسمها بفتح الكاف وسكون الباء وضم النون " وهي بلدة صغيرة يسكنها كفار الروم تحت ذمة المسلمين، وليس بها غير بيت واحد من المسلمين، وهم الحكام عليهم. وهي من بلاد السلطان أرخان بك، فنزلنا بدار عجوز كافرة، وذلك إبان الثلج والشتاء، فأحسنا إليها وبتنا عندها تلك الليلة، وهذه البلدة لا شجر بها ولا دوالي العنب ولا يزرع بها إلا الزعفران، وأتتنا هذه العجوز بزعفران كثير، وظنت أننا تجار نشتريه منها .ولما كان الصباح ركبنا وأتانا الفارس الذي بعثه الفتى معنا من كاوية، فبعث معنا فارساً غيره ليوصلنا إلى مدينة مطرني. وقد وقع في تلك الليلة ثلج كثير عفى عن الطريق ، فتقدمنا ذلك الفارس فاتبعنا أثره إلى أن وصلنا في نصف النهار إلى قرية للتركمان، فأتوا بطعام فأكلنا منه، وكلمهم ذلك الفارس فركب معنا أحدهم، وسلك بنا أوعاراً وجبالاً ومجرى ماء تكرر لنا جوازه أزيد من الثلاثين مرة. فلما خلصنا من ذلك قال لنا ذلك الفارس: أعطوني شيئاً من الدراهم. فقلنا له: إذا وصلنا إلى المدينة نعطيك ونرضيك فلم يرض ذلك منا، أو لم يفهم عنا. فأخذ قوساً لبعض أصحابي ومضى غير بعيد ثم رجع فرد إلينا القوس فأعطيته شيئاً من الدراهم، فأخذها وهرب عنا وتركنا لا نعرف أين نقصد ولا طريق لنا، فكنا نتلمح أثر الطريق تحت الثلج ونسلكه، إلى أن بلغنا عند غروب الشمس إلى جبل يظهر الطريق به لكثرة الحجارة، فخفت الهلاك علي ومن معي وتوقعت نزول الثلج ليلاً ولا عمارة هنالك. فإن نزلنا عن الدواب هلكنا، وإن سرينا ليلتنا لا نعرف أين نتوجه. وكان لي فرس من الجياد فعملت على الخلاص، وقلت في نفسي: إذا سلمت لعلي أحتال في سلامة أصحابي، فكان كذلك. واستودعتهم الله تعالى وسرت. وأهل تلك البلاد يبنون على القبور بيوتاً من الخشب يظن رائيها أنها عمارة، فيجدها قبوراً. فظهر لي منها كثير. فلما كان بعد العشاء وصلت إلى البيوت فقلت: اللهم اجعلها عامرة، فوجدتها عامرة، ووفقني الله تعالى إلى باب دار، فرأيت عليها شيخاً فكلمته بالعربي فكلمني بالتركي، وأشار إلي بالدخول. فأخبرته بشأن أصحابي فلم يفهم عني، وكان من لطف الله أن تلك الدار زاوية للفقراء، والواقف بالباب شيخها. فلما سمع الفقراء الذين بداخل الزاوية كلامي مع الشيخ خرج بعضهم. وكانت بيني وبينه معرفة فسلم علي، وأخبرته خبر أصحابي وأشرت إليه بأن يمضي مع الفقراء لاستخلاص الأصحاب، ففعلوا ذلك وتوجهوا معي إلى أصحابي، وجئنا جميعاً إلى الزاوية وحمدنا الله تعالى على السلامة، وكانت ليلة جمعة، فاجتمعوا أهل القرية وقطعوا ليلتهم بذكر الله تعالى. وأتى كل منهم بما تيسر له من الطعام وارتفعت المشقة. ورحلنا عند الصباح فوصلنا مدينة مطرني عند صلاة الجمعة " وضبط اسمها بضم الميم والطاء المكهملة واسكان الراء وكسر النون وياء مد " ، فنزلنا بزاوية أحد الفتيان الأخية، وبها جماعة من المسافرين، ولم نجد مربطاً للدواب. فصلينا الجمعة ونحن في قلق لكثرة الثلج والبرد وعدم المربط، فلقينا أحد الحجاج من أهلها فسلم علينا، وكان يعرف اللسان العربي فسررت برؤيته، وطلبت منه أن يدلنا على مرابط للدواب بالكراء. فقال: أما ربطها فهي في منزل فلا يتأتى، لأن أبواب دور هذه البلدة صغار، لا تدخل منها الدواب، ولكنني أدلكم على سقيفة بالسوق يربط فيهم المسافرون دوابهم، والذين يأتون لحضور السوق

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account