وسافرت إلى مدينة الماجر، وهي " بفتح الميم والف وجيم مفتوح معقود وراء " مدينة كبرى من أحسن مدن الترك، على نهر كبير، وبها البساتين والفواكه الكثيرة، نزلنا منها بزاوية الشيخ الصالح العابد المعمر محمد البطائحي من بطائح العراق، وكان خليفة الشيخ أحمد الرفاعي رضي الله عنه، وفي زاويته نحو سبعين من فقراء العرب والفرس والترك والروم، منهم المتزوج والعزب، وعيشهم من الفتوح. ولأهل تلك البلاد اعتقاد حسن في الفقراء، وفي كل ليلة يأتون إلى الزاوية بالخيل والبقر والغنم، ويأتي السلطان والخواتين لزيارة الشيخ والتبرك به، ويجزلون الإحسان، ويعطون العطاء الكثير، وخصوصاً النساء فإنهن يكثرن الصدقة ويتحرين أفعال الخير. وصلينا بمدينة الماجر صلاة الجمعة، فلما قضيت الصلاة صعد الواعظ عز الدين المنبر، وهو من فقهاء بخارى وفضلائها، وله جماعة من الطلبة والقراء يقرأون بين يديه، ووعظ وذكر، وأمير المدينة حاضر وكبراؤها فقام الشيخ محمد البطائحي فقال: إن الفقيه الواعظ يريد السفر ونريد له زوادة ثم خلع فرجية مرعز كانت عليه وقال: هذه مني إليه فكان الحاضرون بين من خلع ثوبه ومن أعطي فرساً ومن أعطى دراهم واجتمع له كثير من ذلك كله، ورأيت بقيسارية هذه المدينة يهودياً سلم علي وكلمني بالعربي، فسألته عن بلاده، فذكر أنه من بلاد الأندلس، وأنه قدم منها في البر ولم يسلك بحراً، وأتى على طريق القسطنطينية العظمى وبلاد الروم وبلاد الجرجس، وذكر أن عهده بالأندلس منذ أربعة أشهر، وأخبرني التجار المسافرون الذين لهم المعرفة بذلك بصحة مقاله ورأيت بهذه البلاد عجباً من تعظيم النساء عندهم وهن أعلى شأناً من الرجال. فأما نساء الأمراء فكانت أول رؤيتي لهن عند خروجي من القرم رؤية الخاتون زوجة الأمير سلطية في عربة لها، وكلها مجللة بالملف الأزرق الطيب، وطيقان البيت مفتوحة، وأبوابه، وبين يديها أربع جوارٍ، فاتنات الحسن بديعات اللباس، وخلفها جملة من العربات فيها جوار يتبعنها ولما قربت من منزل الأمير نزلت عن العربة إلى الأرض، ونزل معها نحو ثلاثين من الجواري يرفعن أذيالها، ولأثوابها عرًى تأخذ كل جارية بعروة، وويرفعن الأذيال عن الأرض من كل جانب، ومشت كذلك متبخترة فلما وصلت إلى الأمير قام إليها وسلم عليها وأجلسها إلى جانبه، ودار بها جواريها وجاءوا بروايا القمز، فصبت منه في قدح وجلست على ركبتيها قدام الأمير، وناولته القدح فشرب، ثم سقت أخاه وسقاها الأمير، وحضر الطعام فأكلت معه وأعطاها كسوة وانصرفت. وعلى هذا الترتيب نساء الأمراء، وسنذكر نساء الملك فيما بعد. وأما نساء الباعة والسوقة فرأيتهن، وإحداهن تكون في العربة والخيل تجرها، وبين يديها الثلاث والأربع من الجواري، يرفعن أذيالها. وعلى رأسها البغطاق، وهو أقروف مرصع بالجوهر، وفي أعلاه ريش الطواويس وتكون طيقان البيت مفتحة، وهي بادية الوجه، لأن نساء الأتراك لا يحتجبن وتأتي إحداهن على هذا الترتيب ومعها عبيدها بالغنم واللبن فتبيعه من الناس بالسلع العطرية، وربما كان مع المرأة منهن زوجها فيظنه من يراها بعض خدامها، ولا يكون عليه من الثياب إلا فروة من جلد الغنم، وفي رأسه قلنسوة تناسب ذلك يسمونها الكلا وتجهزنا من مدينة الماجر نقصد معسكر السلطان، وكان على أربعة أيام من الماجر بموضع يقال له بش دغ ومعنى بش عندهم خمسة وهو " بكسر الباء وشين معجم " ومعنى دغ الجبل، وهو " بفتح الدال المهمل وغين معجم " وبهذه الجبال الخمسة عين ماء حار يغتسل منها الأتراك، ويزعمون أنه من اغتسل منها لم تصبه عاهة مرض، وارتحلنا إلى موضع المحلة فوصلناه أول يوم من رمضان، فوجدنا المحلة قد خلت فعدنا إلى الموضع الذي رحلنا منه، لأن المحلة تنزل بالقرب منه فضربت بيتي على تلة هنالك، وركزت العلم أمام البيت، وجعلت الخيل والعربات وراء ذلك، وأقبلت المحلة، وهم يسمونها الأرد بضم الهمزة، فرأينا مدينة عظيمة تسير بأهلها فيها المساجد والأسواق، ودخان المطبخ صاعد في الهواء وهم يطبخون في حال رحيلهم، والعربات تجرها الخيل بهم، فإذا بلغوا المنزل أنزلوا البيوت عن العربات، وجعلوها على الأرض، وهي خفيفة المحمل، وكذلك يصنعون بالمساجد والحوانيت. واجتاز بنا خواتين السلطان، كل واحدة بناسها على حدة ولما اجتازت الرابعة منهن وهي بنت الأمير عيسى بك
The Travels
ذكر العجلات التي يسافر عليها بهذه البلادHover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.