The Travels

ذكر ما أعطاه السلطان للأمير سيف الدين
Read with the dictionary

وفد على السلطان ملك غزنة المسمى ببهرام، وكان بينه وبين ابن الخليفة عداوة قديمة فأمر بإنزاله ببعض دور مدينة سيري التي لابن الخليفة، وأمر أن يبني له بها دار فبلغ ذلك ابن الخليفة فغضب منه ومضى إلى دار السلطان فجلس على البساط الذي عادته الجلوس عليه، وبعث إلى الوزير، فقال له: سلم على خوند عالم، وقل له: إن جميع ما أعطانيه هو بمنزلي، لم أتصرف في شيء منه، بل زاد عندي ونما وأنا لا أقيم معكم، وقام وانصرف فسأل الوزير بعض أصحابه عن سبب هذا، فأعلمه أن سببه أمر السلطان ببناء الدار لملك غزنة في مدينة سيري، فدخل الوزير على السلطان فأعلمه بذلك، فركب من حينه في عشرة من ناسه، وأتى منزل ابن الخليفة، فاستأذن له، ونزل عن فرسه خارج القصر حيث ينزل الناس، فتلقاه واعتذر له، فقبل عذره، وقال له: السلطان والله ما أعلم أنك راضٍ عني حتى تضع قدمك على عنقي، فقال له: هذا ما لا أفعله ولو قتلت. فقال له السلطان وحق رأسي لا بد لك من ذلك ثم وضع رأسه على الأرض وأخذ الملك الكبير قبولة رجل ابن الخليفة بيده، فوضعها على عنق السلطان ثم قام وقال: الآن أنك راضٍ علي، وطاب قلبي. وهذه حكاية غريبة لم يسمع بمثلها عن ملك. ولقد حضرته يوم عيد وقد جاءه الملك الكبير بثلاث خلع من عند السلطان مفرجة. قد جعل مكان عقد الحرير التي تعلق بها حبات جوهر قدر البندق الكبير، وقام الملك الكبير ببابه، حتى نزل من قصره، فكساه إياه والذي أعطاه هو ما لا يحصر العد، ولا يحيط به الحد، وابن الخليفة مع ذلك كله أبخل خلق الله تعالى وله في البخل أخبار عجيبة، يعجب منها سامعها وكأنه كان من البخل بمنزلة السلطان من الكرم، ولنذكر بعض أخباره في ذلك.

حكاية عن بخل ابن الخليفة وكانت بيني وبينه مودة، وكنت كثير التردد إلى منزله وعنده تركت ولداً لي سميته أحمد لما سافرت ولا أدري ما فعل الله بهما فقلت له يوماً: لم تأكل وحدك، ولا تجمع أصحابك على الطعام ؟ فقال لي: لا أستطيع أن أنظر إليهم على كثرتهم وهم يأكلون طعامي فكان يأكل وحده، ويعطي صاحبه محمد ابن أبي الشرفي من الطعام لمن أحب، ويتصرف في باقيه وكنت أتردد إليه فأرى دهليز قصره الذي يسكن به مظلماً لا سراج به. ورأيته مراراً يجمع الأعواد الصغار من الحطب بداخل بستانه، وقد ملأ منها مخازن فكلمته في ذلك فقال لي: يحتاج إليها. وكان يخدم أصحابه ومماليكه وفتيانه في خدمة البستان وبنائه ويقول: لا أرضى أن يأكلوا طعامي وهم لا يخدمون. وكان علي مرة دين فطلبت به فقال لي في بعض الأيام: والله لقد هممت أن أؤدي عنك دينك، فلم تسمح نفسي بذلك، ولا ساعدتني عليه.

حكاية

حدثني مرة قال: خرجت عن بغداد، وأنا رابع أربعة أحدهم محمد بن أبي الشرفي صاحبه، ونحن على أقدامنا، ولا زاد عندنا فنزلنا على عين ماء ببعض القرى، فوجدنا أحدنا في العين درهماً، فقلنا وما نصنع بدرهم، فاتفقنا على أن نشتري به خبزاً، فبعثنا أحدنا لشرائه، فأبى الخباز بتلك القرية أن يبيع الخبز وحده، وإنما يبيع خبزاً بقيراط، وتبناً بقيراط فاشترى منه الخبز والتبن، فطرحنا التبن، إذ لا دابة لنا تأكله وقسمنا الخبز لقمة لقمة، وقد انتهى حالي اليوم إلى ما تراه فقلت له: ينبغي لك أن تحمد الله على ما أولاك، وتؤثر الفقراء والمساكين بالتصدق فقال: لا أستطيع ذلك. ولم أره قط يجود بشيء، ولا يفعل معروفاً، ونعوذ بالله من الشح.

حكاية

كنت يوماً ببغداد بعد عودتي من بلاد الهند، وأنا قاعد على باب المدرسة المستنصرية التي بناها جده أمير المؤمنين المستنصر رضي الله عنه، فرأيت شاباً ضعيف الحال يشتد خلف رجل خارج عن المدرسة فقال لي بعض الطلبة: هذا الشاب الذي تراه هو ابن الأمير محمد حفيد الخليفة المستنصر الذي ببلاد الهند، فدعوته فقلت له: إني قد قدمت من بلاد الهند، وإني أعرفك بخبر أبيك فقال: قد جاءني خبره في هذه الأيام ومضى يشتد خلف الرجل،فسألت عن الرجل، فقيل لي: هو الناظر في الحبس، وهذا الشاب هو إمام ببعض المساجد، وله على ذلك أجرة درهم واحد في اليوم، وهو يطلب أجرته من الرجل، فطال عجبي منه، والله لو بعث إليه جوهرة من الجواهر التي في الخلع الواصلة إليه من السلطان لأغناه بها ونعوذ بالله من مثل هذه الحال.

ذكر ما أعطاه السلطان للأمير سيف الدين

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account