The Travels

ذكر سلطان القسطنطينية
Read with the dictionary

وعلى ساحل هذا الخليج الثالث مدينة الفنيكة " واسمها بفاء مفتوحة ونون وياء مد وكاف مفتوح " ، وهي صغيرة، لكنها حسنة مانعة، وكنائسها وديارها حسان، والأنهار تخرقها والبساتين تحفها، ويدخر بها العنب والإجاص والتفاح والسفرجل من السنة إلى الأخرى. وأقمنا بهذه المدينة ثلاثاً. والخاتون في قصر لأبيها هنالك، ثم قدم أخوها شقيقها اسمه كفالي قراس في خمسة آلاف فارس شاكي السلاح، ولما أرادوا لقاء الخاتون ركب أخوها المذكور فرساً أشهب، ولبس ثياباً بيضاء، وجعل على رأسه مظللاً مكللاً بالجواهر، وجعل عن يمينه خمسة من أبناء الملوك، وعن يساره مثلهم، لابسين البياض أيضاً، وعليهم مظللات مزركشة بالذهب، وجعل بين يديه مائة من المشائين ومائة فارس، قد أسبغوا الدروع على أنفسهم وخيلهم، وكل واحد منهم يقود فرساً مسرجاً مدرعاً، عليه شكة فارس من البيضة المجوهرة والدروع والتركش والقوس والسيف، وبيده رمح في طرف رأسه راية. وأكثر تلك الرماح مكسوة بصفائح الذهب والفضة. وتلك الخيل المقودة هي مراكب ابن السلطان. وقسم فرسانه على أفواج، كل فوج فيه مائتا فارس، لهم أمير قد قدم أمامه عشر من الفرسان شاكين في السلاح، وكل واحد منهم يقود فرساً، وخلفه عشرة من العلامات ملونة بأيدي عشرة من الفرسان، وعشرة أطبال يتقلدها عشرة من الفرسان، ومعهم ستة يضربون الأبواق والأنفار والصرنايات، وهي الغيطات. وركبت الخاتون في مماليكها وجواريها وفتيانها وخدامها، وهم نحو خمسمائة، عليهم ثياب الحرير المزركشة بالذهب المرصعة، وعلى الخاتون حلة يقال لها: النخ، ويقال لها أيضاً: النسيج، مرصعة بالجوهر، وعلى رأسها تاج مرصع، وفرسها مجلل حرير مزركش بالذهب، وفي يده ورجليه خلاخل الذهب، وفي عنقه قلائد مرصعة. وعظم السرج مكسو ذهباً، مكلل جوهراً. وكان التقاؤهما في بسيط من الأرض على نحو ميل من البلد. وترجل لها أخوها لأنه أصغر سناً منها، وقبل ركابها، وقبلت رأسه. وترجل الأمراء وأولاد الملوك، وقبلوا جميعاً ركابها، وانصرفت مع أخيها. وفي غد ذلك اليوم وصلنا إلى مدينة كبيرة على ساحل البحر، لا نثبت الآن اسمها، ذات أنهار وأشجار، نزلنا بخارجها. ووصل أخو الخاتون ولي العهد في ترتيب عظيم وعسكر ضخم من عشرة آلاف مدرع، وعلى رأسه تاج، وعن يمينه نحو عشرين من أبناء الملوك، وعن يساره مثلهم، وقد رتب فرسانه على ترتيب أخيه سواء، إلا أن الحفل أعظم، والجمع أكثر. وتلاقت معه أخته في مثل زيها الأول، وترجلا جميعاً. وأتي بخباء حرير فدخلا فيه. فلا أعلم كيفية سلامها، ونزلنا على عشرة أميال من القسطنطينية. فلما كان بالغد خرج أهلها من رجال من رجال ونساء وصبيان، ركباناً ومشاة في أحسن زي وأجمل لباس، وضربت عند الصبح الأطبال والابوا ق والانفار، وركبت العساكر، وخرج السلطان وزوجته أم هذه الخاتون وأرباب الدولة والخواص، وعلى رأس الملك رواق يحمله جملة من الفرسان، ورجال بأيديهم عصي طوال، في أعلى كل عصا شبه كرة من جلد يرفعون بها الرواق، وفي وسط الرواق مثل القبة يرفعها الفرسان بالعصي. ولما أقبل السلطان اختلطت العساكر وكثر العجاج، ولم أقدر على الدخول فيما بينهم، فلزمت أثقال الخاتون وأصحابها، خوفاً على نفسي. وذكر لي أنها لما قربت من أبويها ترجلت وقبلت الأرض بين أيديهما، ثم قبلت حافري فرسيهما. وفعل كبار أصحابها مثل فعلها في ذلك. وكان دخولنا عند الزوال أو بعده إلى القسطنطينية العظمى، وقد ضربوا نواقيسهم حتى ارتجت الآفاق لاختلاط أصواتها. ولما وصلنا الباب الأول من أبواب قصر الملك وجدنا به مائة رجل، معهم قائد لهم فوق دكانه. وسمعتهم يقولون: سراكنوا سراكنوا، ومعناه المسلمون. ومنعونا من الدخول. فقال لهم أصحاب الخاتون: إنهم من جهتنا. فقالوا: لا يدخلون إلا بإذن. فأقمنا بالباب، وذهب بعض أصحاب الخاتون، فبعث من أعلمها بذلك، وهي بين يدي والدها، فذكرت له شأننا فأمر بدخولنا. وعين لنا داراً بمقربة من دار الخاتون، وكتب لنا أمراً بأن لا نعترض حيث نذهب من المدينة، ونودي بذلك في الأسواق.وأقمنا بالدار ثلاثاً، فبعث إلينا الضيافة من الدقيق والخبز والغنم والدجاج والسمن والفاكهة والحوت والدراهم والفرش. وفي اليوم الرابع دخلنا على السلطان.

ذكر سلطان القسطنطينية

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account