The Travels

حكاية ومكرمة لهذا القاضي والأمير
Read with the dictionary

كان قد صحبني من مدينة السرا إلى خوارزم شريف من أهل كربلاء يسمى علي بن منصور، وكان من التجار، فكنت أكلفه أن يشتري لي الثياب وسواها، فكان يشتري لي الثوب بعشرة دنانير. ويقول: اشتريته بثمانية، ويحاسبني بالثمانية، ويدفع الدينارين من ماله، وأنا لا علم لي بفعله، إلى أن تعرفت ذلك على ألسنة الناس، وكان مع ذلك قد أسلفني دنانير. فلما وصل إلي إحسان أمير خوارزم رددت اليه ما أسلفنيه، وأردت أن أحسن بعده إليه مكأفاة لأفعاله الحسنة فأبى ذلك، وحلف أن لا أفعل. وأردت أن أحسن إلى فتى كان له اسمه كافور، فحلف أن لا أفعل، وكان أكرم من لقيته من العراقيين. وعزم على السفر معي إلى بلاد الهند. ثم إن جماعة من أهل بلده وصلوا إلى خوارزم برسم السفر إلى الصين، فأخذ في السفر معهم. فقلت له في ذلك. فقال: هؤلاء أهل بلدي، يعودون إلى أهلي وأقاربي، ويذكرون أني سافرت إلى الهند برسم الكدية، فيكون سبة علي، لا أفعل ذلك، وسافر معهم إلى الصين فبلغني بعد، وأنا بأرض الهند أنه لما بلغ إلى مدينة المالق، وهي آخر البلاد التي من عمالة ما وراء النهر وأول بلاد الصين، أقام بها، وبعث فتى له بما كان عنده من المتاع، فأبطأ الفتى عليه. وفي أثناء ذلك وصل من بلده بعض التجار، ونزل معه في فندق واحد. فطلب منه الشريف أن يسلفه شيئاً بخلال ما يصل فتاه، فلم يفعل، ثم أكد قبح ما صنع في عدم التوسعة على الشريف بأن أراد الزيادة عليه في المسكن الذي كان له في الفندق، فبلغ ذلك الشريف، فاغتم منه، ودخل إلى بيته، فذبح نفسه، فأدرك وبه رمق، واتهموا غلاماً كان له بقتله. فقال: لا تظلموه، فإني أنا فعلت ذلك. ومات من يومه غفر الله له.

وكان قد حكى لي عن نفسه أنه أخذ مرة من بعض تجار دمشق ستة آلاف درهم قراضاً ، فلقيه ذلك التاجر بمدينة حماة من أرض الشام، فطلبه بالمال، وكان قد باع ما اشترى به من المتاع بالدين، فاستحيا من صاحب المال، ودخل إلى بيته، وربط عمامته بسقف البيت، وأراد أن يخنق نفسه. وكان في أجله تأخير، فتذكر صاحباً له من الصيارفة فقصده، وذكر له القضية، فسلفه مالاً دفعه للتاجر. ولما أردت السفر من خوارزم اكتريت جمالاً واشتريت محارة، وكان عديلي بها عفيف الدين التوزري، وركب الخدام بعض الخيل، وجللنا باقيها لأجل البرد، ودخلنا البرية التي بين خوارزم وبخارى، وهي مسيرة ثمانية عشر يوماً في رمال لا عمارة بها إلا بلدة واحدة. فودعت الأمير قطلودمور، وخلع علي خلعة، وخلع على القاضي أخرى، وخرج مع الفقهاء لوداعي. وسرنا أربعة أيام ووصلنا إلى مدينة ألكات، وليس بهذه الطريق عمارة سواها، " وضبط اسمها بفتح الهمزة وسكون اللام وفتح الكاف وآخره تاء مثناة " ، وهي صغيرة حسنة. نزلنا خارجها على بركة ماء قد جمدت من البرد. فكان الصبيان يلعبون فوقها، ويزلقون عليها. وسمع بقدومي قاضي ألكات، ويسمى صدر الشريعة، وكنت قد لقيته بدار قاضي خوارزم. فجاء إلي مسلماً مع الطلبة وشيخ المدينة الصالح العابد محمود الخيوفي. ثم عرض على القاضي الوصول إلى أمير تلك المدينة. فقال له الشيخ محمود: القادم ينبغي له أن يزار، وإن كانت لنا همة نذهب إلى أمير المدينة ونأتي به، ففعلوا ذلك. وأتى الأمير بعد ساعة في أصحابه، وخدامه فسلمنا عليه. وكان غرضنا تعجيل السفر، فطلب منا الإقامة وصنع دعوة، جمع لها الفقهاء ووجوه العساكر وسواهم، ووقف الشعراء يمدحونه. وأعطاني كسوة وفرساً جيداً، وسرنا على الطريق المعروفة بسيباية. وفي تلك الصحراء مسيرة ست دون ماء.

ووصلنا بعد ذلك إلى بلدة وبكنة " وضبط اسمها بفتح الواو وإسكان الباء الموحدة وكاف ونون " ، وهي على مسيرة يوم واحد من بخارى بلدة حسنة ذات أنهار وبساتين. وهم يدخرون العنب من سنة إلى سنة، وعندهم فاكهة يسمونها العلو " الآلو " بالعين المهملة وتشديد اللام فييبسونه، ويجلبه الناس إلى الهند والصين، ويجعل عليه الماء، ويشرب ماؤه. وهو أيام كونه أخضر حلو، فإذا يبس صار فيه يسير حموضة، ولحميته كثيرة. ولم أر مثله بالأندلس ولا بالمغرب ولا بالشام.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account