The Travels

مكرمة لهذا الملك
Read with the dictionary

وركبت يوماً مع علاء الملك فانتهينا إلى بسيط من الأرض على مسافة سبعة أميال منها يعرف بتارنا، فرأيت هنالك ما لا يحصره العد من الحجارة على مثل صور الآدميين والبهائم، وقد تغير كثير منها ودثرت أشكاله، فيبقى منه صورة رأس أو رجل أو سواهما. ومن الحجارة أيضاً على صورة الحبوب من البر والحمص والفول والعدس، وهنالك آثار سور وجدران دور، ثم رأينا رسم دار فيها بيت من حجارة منحوتة وفي وسطه دكانة حجارة منحوتة كأنها حجر واحد عليها صورة آدمي، إلا أن رأسه طويل وفمه في جانب من وجهه، ويداه خلف ظهره كالمكتوف. وهنالك مياه شديدة النتن، وكتابة على بعض الجدران بالهندي. وأخبرني علاء الملك أن أهل التاريخ يزعمون أن هذا الموضع كانت فيه مدينة عظيمة أكثر أهلها الفساد فمسخوا حجارة، وأن ملكهم هو الذي على الدكانة في الدار التي ذكرناها، وهي الآن تسمى دار الملك، وأن الكتابة التي في بعض الحيطان بالهندي هي تاريخ هلاك أهل تلك المدينة وكان ذلك منذ ألف سنة أو نحوها. وأقمت بهذه المدينة مع علاء الملك خمسة أيام، ثم أحسن في الزاد وانصرفت عنه إلى مدينة بكار " بفتح الباء الموحدة " ، وهي مدينة حسنة يشقها خليج من نهر السند. وفي وسط ذلك الخليج زاوية حسنة فيها الطعام للوارد والصادر. عمرها كشلوخان أيام ولايته على بلاد السند، وسيقع ذكره. ولقيت بهذه المدينة الفقيه الإمام صدر الدين الحنفي، ولقيت بها قاضيها المسمى بأبي حنيفة، ولقيت بها الشيخ العابد الزاهد شمس الدين محمد الشيرازي، وهو من المعمرين، ذكر لي أن سنه يزيد على مائة وعشرين عاماً. ثم سافرت من مدينة بكار فوصلت إلى مدينة أوجه " وضبط اسمها بضم الهمزة وفتح الجيم " وهي مدينة كبيرة على نهر السند، لها أسواق حسنة وعمارة جيدة. وكان الأمير بها إذ ذاك الملك الفاضل الشريف جلال الدين الكيجي أحد الشجعان الكرماء، وبهذه المدينة توفي بعد سقطة سقطها عن فرسه.

مكرمة لهذا الملك

ونشأت بيني وبين هذا الملك الشريف جلال الدين مودة، وتأكدت بيننا الصحبة والمحبة، واجتمعنا بحضرة دهلي. فلما سافر السلطان إلى دولة أباد، كما سنذكره، وأمرني بالإقامة بالحضرة، قال لي جلال الدين: إنك تحتاج إلى نفقة كبيرة، والسلطان تطول غيبته، فخذ قريتي واستغلها حتى أعود، ففعلت ذلك. واستغللت منها نحو خمسة آلاف دينار، جزاه الله أحسن الجزاء.

ولقيت بمدينة أوجه الشيخ العابد الزاهد الشريف قطب الدين حيدر العلوي، وألبسني الخرقة، وهو من كبار الصالحين. ولم يزل الثوب الذي ألبسنيه معي، إلى أن سلبني كفار الهنود في البحر. ثم سافرت من أوجه إلى مدينة ملتان " وضبط اسمها بضم الميم وتاء معلوة " ، وهي قاعدة بلاد السند، ومسكن أمير أمرائه. وفي الطريق إليها على مسافة عشرة أميال الوادي المعروف بخسرو أباد، وهو من الأودية الكبار، لا يجاز إلا بالمراكب. وبه يبحث عن أمتعة المجتازين أشد البحث وتفتش رحالهم. وكانت عادتهم حين وصلنا إليها أن يأخذوا الربع من كل ما يجلبه التجار، ويأخذوا على كل فرس سبعة دنانير مغرماً.

ثم بعد وصولنا إلى الهند بسنتين رفع السلطان تلك المغارم، وأمر أن لا يؤخذ من الناس إلا الزكاة والعشر، لما بايع للخليفة أبي العباس العباسي. ولما أخذنا في إجازة هذا الوادي وفتشت الرحال، عظم علي تفتيش رحلي، لأنه لم يكن فيه طائل، وكان يظهر في أعين الناس كبيراً، فكنت أكره أن يطلع عليه. ومن لطف الله تعالى أن وصل أحد كبار الأجناد من جهة قطب الملك صاحب ملتان، فأمر أن لا يعرض لي ببحث ولا تفتيش، فكان كذلك. فحمدت الله على ما هيأه لي من لطائفه. وبتنا تلك الليلة على شاطئ الوادي، وقدم علينا في صبيحتها ملك البريد واسمه دهقان، وهو سمرقندي الأصل، وهو الذي يكتب للسلطان بأخبار تلك المدينة وعمالتها وما يحدث بها ومن يصل، فتعرفت به ودخلت بصحبته إلى أمير ملتان.

ذكر أمير ملتان وترتيب حاله

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account