ولما توفي السلطان غياث الدين ليلاً، وابنه ناصر الدين غائب ببلاده اللكنوتي، وجعل العهد لابن ابنه الشهيد كي خسرو، حسبما قصصناه، كان ملك الأمراء نائب السلطان غياث الدين عدواً لكي خسرو فأراد عليه حيلة تمت، وهي أنه كتب بيعة دلس فيها على خطوط الأمراء الكبار بأنهم بايعوا السلطان معز الدين حفيد السلطان بلبن ودخل على كي خسرو كالمتنصح له فقال له: إن الأمراء قد بايعوا ابن عمك، وأخاف عليك منهم. فقال كي خسروا: فما الحيلة ؟ قال: انج بنفسك هارباً إلى بلاد السند فقال: وكيف الخروج والأبواب مسدودة ؟ قال له: إن المفاتيح بيدي، وأنا أفتح لك فشكره على ذلك وقبل يده، وقال له: اركب الآن، فركب في خاصته ومماليكه، وفتح له الباب وأخرجه، وسد في أثره، واستأذن على معز الدين فبايعه، فقال: كيف لي بذلك وولاية العهد لابن عمي ؟ فأعلمه بما أدار عليه من الحيلة، وبإخراجه. فشكره على ذلك ومضى به إلى دار الملك، وبعث إلى الأمراء والخواص فبايعوا ليلاً فلما أصبح بايعه سائر الناس واستقام له الملك وكان أبوه حياً ببلاد بنجالة واللكنوتي فاتصل به الخبر فقال: أنا وارث الملك وكيف يلي ابني الملك ويستقل به وأنا بقيد الحياة ؟ فتجهز في جيوشه قاصداً حضرة دهلي، وتجهز ولده في جيوشه كذلك قاصداً لمدافعته عنها، فتوفيا معاً بمدينة كرا، وهي على ساحل نهر الكنك الذي تحج الهنود إليه فنزل ناصر الدين على شاطئه مما يلي كرا ونزل ولده السلطان معز الدين مما يلي الجهة الأخرى، والنهر بينهما وعزما على القتال، ثم أن الله تعالى أراد حقن دماء المسلمين، فألقى في قلب ناصر الدرين الرحمة لآبنه وقال: إذا ملك ولدي فذلك شرف، وأنا أحق أن أرغب في ذلك، وألقى في قلب السلطان معز الدين الضراعة لأبيه فركب كل واحد منهما منفرداً عن جيوشه، والتقيا في وسط النهر فقبل السلطان رجل أبيه واعتذر له. فقال له أبوه: قد وهبتك ملكي ووليتك وبايعه وأراد الرجوع إلى بلاده فقال له ابنه: لا بد لك من الوصول إلى بلادي، فمضى معه إلى دهلي، ودخل القصر وأقعده أبوه على سرير الملك ووقف بين يديه وسمي ذلك اللقاء الذي كان بينهما بالنهر: لقاء السعدين، لما كان فيه من حقن الدماء، وتواهب الملك والتجافي عن المنازعة. وأكثرت الشعراء في ذلك. وعاد ناصر الدين إلى بلاده، فمات بها بعد سنين وترك بها ذرية منهم غياث الدين بهادور الذي أسره السلطان تغلق وأطلقه ابنه محمد بعد وفاته، واستقام الملك لمعز الدين أربعة أعوام بعد ذلك وكانت كالأعياد. رأيت بعض من أدركها يصف خيراتها ورخص أسعراها، وجود معز الدين وكرمه وهو الذي بني الصومعة بالصحن الشمالي من جامع دهلي ولا نظير لها في البلاد. وحكى لي بعض أهل الهند أن معز الدين كان يكثر النكاح والشرب، فاعتلته علة أعجز الأطباء دواؤها، ويبس أحد شقيه فقام عليه نائبه جلال الدين فيروزشاة الخلجي " بفتح الخاء المعجم واللام والجيم " .
ذكر السلطان جلال الدين