ولا يسافر أحد في تلك البلاد بدابة، ولا تكون الخيل إلا عند السلطان. وأكثر ركوب أهلها في دولة على رقاب العبيد أو المستأجرين. ومن لم يستطع أن يركب في دولة ، مشى على قدميه كائناً من كان. ومن كان له رحل أو متاع من تجارة وسواها اكترى رجالاً يحملونه على ظهورهم. فنرى هنالك التاجر ومعه المائة فما دونها أو فوقها، يحملون أمتعته، وبيد كل واحد منهم عود غليظ له زج حديد، وفي أعلاه مخطاف حديد، فإذا أعيا ولم يجد دكانةً يستريح عليها، ركز عوده بالأرض، وعلق حمله منها، فإذا استراح أخذ حمله من غير معين، ومضى به. ولم أر طريقاً آمن من هذا الطريق. وهم يقتلون السارق على الجوزة الواحدة. فإذا سقط شيء من الثمار لم يلتقطه أحد، حتى يأخذه صاحبه. وأخبرت أن بعض الهنود مروا على الطريق فالتقط أحدهم جوزة. وبلغ خبره إلى الحاكم، فأمر بعود، فركز في الأرض وبرى طرفه الأعلى وأدخل في لوح خشب حتى برز منه. ومد الرجل على اللوح، وركز في العود وهو على بطنه حتى خرج من ظهره، وترك عبرة للناظرين. ومن هذه العيدان على هذه الصورة بتلك الطرق كثير ليراها الناس فيتعظوا. ولقد كنا نلقى الكفار بالليل في هذه الطريق فإذا رأونا تنحوا عن الطريق حتى نجوز. والمسلمون أعز الناس بها، غير أنهم كما ذكرنا لا يؤاكلونهم ولا يدخلونهم دورهم. وفي بلاد المليبار اثنا عشر سلطاناً من الكفار. منهم القوي الذي يبلغ عسكره خمسين ألفاً، ومنهم الضعيف الذي عسكره ثلاثة آلاف. ولا فتنة بينهم ألبتة، ولا يطمع القوي منهم في انتزاع ما بيد الضعيف. وبين بلاد أحدهم وصاحبه باب خشب منقوش فيه اسم الذي هو مبدأ عمالته، ويسمونه باب أمان فلان. وإذا فر مسلم أو كافر بسبب جناية من بلاد أحدهم ووصل إلى باب أمان الآخر أمن على نفسه. ولم يستطع الذي هرب عنه أخذه، وإن كان القوي صاحب العدد والجيوش. وسلاطين تلك البلاد يورثون ابن الأخت ملكهم دون أولادهم. ولم أر من يفعل ذلك إلا مسوفة أهل الثلم " اللثام " ، وسنذكرهم فيما بعد. وإذا أراد السلطان من أهل بلاد المليبار منع الناس من البيع أو الشراء أمر بعض غلمانه، فعلق على الحوانيت بعض أغصان الأشجار بأوراقها، فلا يبيع أحد ولا يشتري ما دامت عليها تلك الأغصان.
ذكر الفلفل
وشجرات الفلفل شبيهة بدوالي العنب، وهم يغرسونها إزاء النارجيل، فتصعد فيها كصعود الدوالي إلا أنها ليس لها عسلوج، وهو الغزل كما للدوالي، وأوراق شجره تشبه آذان الخيل. وبعضها يشبه أوراق العليق، ويثمر عناقيد صغاراً. حبها كحب أبي قنينة، إذا كانت خضراء. وإذا كان أوان الخريف قطفوه وفرشوه على الحصر في الشمس. كما يصنع بالعنب عند تزبيبه. ولا يزالون يقلبونه حتى يستحكم يبسه، ثم يبيعونه من التجار. والعامة ببلادنا يزعمون أنهم يقلونه بالنار. وبسبب ذلك يحدث فيه التكريش، وليس كذلك وإنما يحدث ذلك فيه بالشمس. ولقد رأيته بمدينة قالقوط، يصب للكيل، كالذرة ببلادنا. وأول مدينة دخلناها من بلاد المليبار مدينة أبي سرور " بفتح السين " ، وهي صغيرة على خور كبير، كثيرة أشجار النارجيل. وكبير المسلمين بها الشيخ جمعه المعروف بأبي ستة، أحد الكرماء. أنفق أمواله على الفقراء والمساكين حتى نفدت. وبعد يومين منها وصلنا إلى مدينة فاكنور " وضبط اسمها بفتح الفاء والكاف والنون وآخره راء " مدينة كبيرة على خور بها قصب السكر الكثير الطيب لذي لا مثيل له بتلك البلاد. وبها جماعة من المسلمين يسمى كبيرهم بحسين السلاط، وبها قاض وخطيب. وعمر بها حسين المذكور مسجداً لإقامة الجمعة.
ذكر سلطان فاكنور